محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
56
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وشرّها ، وإيمانها وكفرها ، وطاعتها وعصيانها ؛ ودلّت عليه آيات التكليف والتعريف والإنذار والتحذير ، وحملت عليه آيات الامتحان والافتتان والترجيه والإطماع ، مثل قوله تعالى : قُمْ فَأَنْذِرْ ، وَأَنْذِرْهُمْ ، * لِتُنْذِرَ قَوْماً ، * لِتُنْذِرَ « 1 » بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ، فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ، سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى إلى أمثال ذلك . ومن لم يعرف الحكمين تعذّر عليه الجمع بين آيات الثابتين على الإنذار وبين آيات الأمر بالإنذار ، وذلك هو سرّ الأسرار . وأمّا التضادّ والترتّب في آيات القرآن فهو مبنيّ على فطرة الخلائق من الأخيار والأشرار ، والأولياء والأعداء ، والمؤمنين والكفّار ، والأبرار والفجّار . فما من قصّة إلّا وفيها ذكر الفريقين وحكم الخصمين . وقد قال الصادق - عليه السلام - : « القرآن نصفه فينا ونصفه في عدوّنا ، والذي في عدوّنا فهو فينا » 301 وما دام التخاصم بين الحقّ والباطل ، والمحقّ والمبطل موجودا ، وكان أحكم الحاكمين حاكما بينهما ، وكان الرسل والأنبياء - عليهم السلام - متوسّطين في هذا الحكم ، كان ذكر التضادّ جاريا على لسان النبوّة ، مكتوبا في صحف الرسالة حتّى يفصل بينهم يوم الفصل في ما كانوا فيه يختلفون . وكما تجد التضادّ في الموجودات بين المتعاندين « 2 » على وجهين مختلفين ، كما بين موجود ومعدوم ، أو كما بين موجود وموجود ، كذلك تجد التضادّ في الأمريات بين المتعاندين على وجهين مختلفين ، كما بين إيمان وكفر ، أو كما بين إيمان وإيمان ، وإسلام وإسلام ، ودين ودين ؛ حتّى لو تفحّصت كلمات القرآن وجدت هذا التضادّ في كلّ كلمة إلّا ما شاء اللّه ؛ وما من آية في حقّ المؤمنين إلّا وتعقّبها « 3 » آية في حقّ الكافرين ، وما من خصلة من خصال الخير إلّا وتذكر « 4 » عقيبها خصلة من خصال الشرّ ؛ وكذلك الترتّب والتفاضل بين شخص وشخص ، وفعل وفعل . ثمّ كيف يشترك الفريقان في قضية ، وكيف يفترقان في قضية ، وحكم الشريعة مبنيّ على موضع الاشتراك ( 22 ب ) ، وحكم القيامة مبنيّ على موضع الافتراق . فإنّما يتبيّن لك من ميزان الحقّ والباطل ؛ فإنّهما يشتركان في قضية الوجود
--> ( 1 ) . س : ليندز . ( 2 ) . س : المتعابدين . ( 3 ) . س : يعقبها . ( 4 ) . س : يذكر .