محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

54

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الفصل العاشر في حكمي المفروغ والمستأنف وطرفي التضادّ والترتّب على قاعدتي الخلق والأمر اعلم أنّ لفظ المفروغ والمستأنف إنّما أخذ من الشيخين العمرين أبي بكر وعمر - رضوان اللّه عليهما - ، حيث تكلّما في القدر ، وارتفعت أصواتهما حتّى بلغ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - صوتهما وهو في الحجرة ، فخرج إليهما ، ووجنتاه كأنّهما رمّانة شقّت بنصفين ؛ فقال - عليه وآله السلام - : « فيم أنتم ؟ » قالوا : نتكلّم في القدر . فقال : « هلّا تكلّمتم في ملك خلقه اللّه تعالى نصفه من نار ونصفه من ثلج ، فلا النار تذيب الثلج ، ولا الثلج يطفئ النار ، تسبيحه سبحان من جمع بين النار والثلج » . فقام إليه عمر حتّى جلس عنده ، وقال : يا رسول اللّه ! أنحن في أمر مبتدأ أم نحن في أمر مفروغ ؟ وفي رواية قال : الأمر أنف ؟ فقال - عليه السلام - : « نحن في أمر مفروغ عنه » . فقال عمر : إن كان الأمر قد فرغ منه ففيم العمل إذا ؟ فقال - عليه وآله السلام - : « يا عمر ! اعملوا وكلّ ميسّر لما خلق له . » 294 فأخذ لفظ المفروغ والمستأنف من ذلك المجلس ؛ وذهب قوم إلى أنّ الأحكام كلّها مفروغة مقدّرة في الأزل ؛ والخلق مجبورون تحت مجاري الأقدار ، لا يملكون تأخّرا عمّا قدّمهم إليه ولا يستطيعون ( 21 ب ) تقدّما إلى ما أخّرهم عنه ، حتّى بلغوا إلى حدّ التفريط في نفي الاستطاعة وإثبات تكليف ما لا يطاق . وذهب قوم إلى أنّ الأحكام كلّها مستأنفه مقدّرة على اختيار العبد ؛ والمكلّفون كلّهم مختارون في مجاري التكليف بما يكون النفع والضرّ ؛ ويحدثون الإيمان والكفر ، حتّى بلغوا في حدّ الإفراط إلى إثبات الاستقلال ونفي الاستعانة في جميع الأفعال . والمذهبان محمولان على طرفي الإفراط والتفريط ؛ ومصدرهما اختلاف الشيخين في الحكمين ؛ ولو عرفوا أنّ القول فيه أمر بين أمرين ، لا جبر ولا تفويض ، وأنّ المفروغ والمستأنف على مثال ملك نصفه من نار ونصفه من ثلج ، والنار جانب المفروغ ، والثلج جانب المستأنف ؛ وكما لا يذيب النار الثلج ولا يطفئ الثلج النار ، كذلك لا يبطل حكم