عبد القاهر الجرجاني

63

درج الدرر في تفسير القرآن العظيم

تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : 7 ] ، فمهما تدبر الإنسان أو تفكر في هذه الآيات فلا يستطيع معرفة تأويلها ، لكن اللّه قد وضح كثيرا منها على طريق الإجمال دون اليقين ، أو ما يبينه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كما جاء في تفسيره قول اللّه تعالى : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ [ النحل : 44 ] ، إذ يقول : « ما نزّل إليهم ، يدل أن في القرآن ما لا يعلم إلا بالتوفيق النبوي » ، ويقول في مكان آخر : « هل كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم تأويل هذا النوع من المتشابه ؟ قلنا : يجوز أن يعلم بالتوقيف لا من جهة نفسه ، كما علم أشياء من الغيب » « 1 » . مما يجعل مرد معرفة المتشابه إلى شيء واحد ألا وهو الوحي من اللّه تعالى لرسوله سواء أكان القرآن الكريم أم السنة النبوية المطهرة . المطلب الثامن المكي والمدني اختلف العلماء في تعريف المكي والمدني إلى ثلاثة أقوال كلّ على اعتبار خاصّ : الأول : اعتبار زمن النزول ، فيكون معنى المكي : هو ما نزل قبل الهجرة ، والمدني : ما نزل بعدها سواء نزل بالمدينة أم بغيرها كمكة ، أو بالأسفار . والمؤلف يميل إلى هذا التقسيم إذ ذكر في مطلع سورة المائدة أنها « مدنية إلا قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] ، فإنها نزلت بعرفات ، وحكمها مدنية » « 2 » . مما يبين أن ما نزل بعد الهجرة هو مدني وإن نزل بغير المدينة . الثاني : اعتبار مكان النزول ، فيكون معنى المكي : ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة ، والمدني : ما نزل بالمدينة . الثالث : اعتبار الذين توجه إليهم الخطاب ، وعلى هذا يكون معنى المكي : ما وقع خطابا لأهل مكة ، والمدني : ما وقع خطابا لأهل المدينة . وأشهر الأقوال وأصحها وأشملها هو القول الأول . « 3 » وفائدة معرفة المكي والمدني هي : أولا - العلم بالمتأخر ، فيكون ناسخا أو مخصصا على رأي من يرى تأخير المخصص . « 4 » ثانيا - التعرف على مراحل الدعوة الإسلامية ، وخطواتها الحكيمة المتدرجة الأحداث . ثالثا - الوقوف على أساليب الدعوة المختلفة في مخاطبة المؤمنين والمشركين وأهل الكتاب . « 5 »

--> ( 1 ) الأصل ( 62 و ) . ( 2 ) الأصل ( 91 و ) . ( 3 ) ينظر : الإتقان 1 / 35 والبرهان 2 / 65 . ( 4 ) ينظر : الإتقان 1 / 35 . ( 5 ) ينظر : مباحث في علوم القرآن 167 .