عبد القاهر الجرجاني

64

درج الدرر في تفسير القرآن العظيم

وفي درج الدرر نجد المؤلف رحمه اللّه تعالى يهتم بهذا الموضوع اهتماما كبيرا ، فكل سورة يريد تفسيرها يكون أول شيء يتحدث عنه هو مكية السورة ومدنيتها ، وله في ذلك أكثر من أسلوب ، ومن ذلك : 1 - أن تكون السورة مكية ، فيذكر ذلك ، مثل سورة الحجر وفي أولها يقول : « مكية » « 1 » . وكذلك مريم « 2 » وطه « 3 » . ففي سورة الحجر جزم بمكية السورة ، ولم يستثن شيئا منها بأنه مدني ، لكن هذا يتعارض مع الحديث الذي أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما ، والذي يتبين منه أن في السورة آية مدنية ، وهي قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ( 24 ) [ الحجر : 24 ] . وهذا ما ذكره المؤلف عند تفسير هذه الآية ، ولم يذكره في مقدمة السورة ، عند بيانه مكية السورة . 2 - أن تكون السورة مدنية عنده ، مثل : سورة النور « 4 » وآل عمران « 5 » ، وفي أول حديثه عنهما يقول : « مدنية » ، وفي هذين الأسلوبين يتبنى هذا القول ، فلا يذكر رأيا آخر مغايرا لهذا الرأي . 3 - تكون السورة مكية ، لكنه لا يتبنى هذا الرأي ، فيقول في أول سورة المؤمنون : « مكية في قولهم » « 6 » ، ولم يعط رأيا مغايرا أو موافقا لهذا الرأي . 4 - لكن أكثر السور القرآنية قد ذكر فيها اختلافا وأقوالا ، لكنه يتبنى رأيا معينا في أول السورة ، ثم يذكر الآراء المخالفة ، ففي بداية سورة الأعراف يصدر القول بمكية السورة ، ثم يروي عن ابن عباس وقتادة إلا خمس آيات نزلن بالمدينة ، قوله : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ . « 7 » هكذا من غير أن يوضح الآيات الخمس . وكذلك في مطلع سورة يونس عليه السّلام بعد أن يؤكد أن السورة كلها مدنية ، يذكر رواية عن ابن عباس يستثني من مكية السورة ثلاث آيات وهي : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ الآيات [ يونس : 94 ] ، ويأتي برواية أخرى من غير أن ينسب القول لصاحبه فيقول : الآية نزلت في يهود المدينة ، وهي قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ [ يونس : 40 ] . « 8 » 5 - وقد يذكر مكان نزول الآية : مثل نزول قوله تعالى : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [ الأنعام : 151 ] ، فينقل عن عطاء أن السورة مكية إلا ثلاث آيات ، هذه الآية وما

--> ( 1 ) درج الدرر 98 . ( 2 ) درج الدرر 218 . ( 3 ) درج الدرر 244 . ( 4 ) درج الدرر 329 . ( 5 ) الأصل ( 61 ظ ) . ( 6 ) درج الدرر 317 . ( 7 ) الأصل ( 110 و ) . ( 8 ) الأصل ( 152 ظ ) .