أبي الحسن علي بن فضال المجاشعي
134
النكت في القرآن الكريم في معانى القرآن الكريم واعرابه
والجواب أنّ العلماء اختلفوا في ذلك : فذهب قوم « 1 » إلى أنّه لم يكن من الملائكة ، وجعل الاستثناء هاهنا منقطعا ، كقوله : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [ النساء : 157 ] . وأنشد سيبويه « 2 » : والحرب لا يبقى لجا * حمها التّخيّل والمراح إلّا الفتى الصّبّار في النّج * دات والفرس الوقاح واحتجّ على صحّة هذا القول بقوله تعالى : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] فنفى المعصية عنهم نفيا عاما ، واحتجّ أيضا بقوله تعالى : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ [ الكهف : 50 ] ، ومتى أطلق لفظ ( الجنّ ) لم يجز أن يعنى به إلا الجنس المعروف ، واحتج أيضا بأن إبليس له نسل وذرية ، قال الحسن « 3 » : إبليس أب الجن ، كما أن آدم أب الأنس . واحتج أيضا بأن إبليس مخلوق من النّار ، والملائكة روحانيون خلقوا من الرّيح ، وقال الحسن : خلقوا من النّور لا يتناسلون ولا يأكلون ولا يشربون ، وقال اللّه تعالى في إبليس وولده : أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [ الكهف : 50 ] واحتجّ أيضا بقوله تعالى : جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [ فاطر : 1 ] ، فعمّها بالوصف بالرّسالة ، ولا يجوز على رسل اللّه أن تكفر ، ولا أن تفسق ، كما لا يجوز على رسله من البشر من قبل أنّهم حجّة اللّه على خلقه فالملائكة [ 11 / ظ ] بهذه المنزلة ، ولو جاز عليهم الفسق لجاز عليهم الكذب ، فكأن يكون لا سبيل إلى الفرق بين الصّدق والكذب فيما أخبروا به عن اللّه .
--> ( 1 ) ينظر المحرر الوجيز : 1 / 178 ، والجامع لأحكام القرآن : 1 / 294 ، والدر المنثور : 1 / 45 . ( 2 ) الكتاب : 1 / 366 . البيتان لسعد بن مالك بن ضبيعة . وذكرت من غير نسبة في التبيان في تفسير القرآن : 4 / 7 ، واللسان : 12 / 85 ( جحم ) ، وشرح الرضي على الكافية : 2 / 86 . ( 3 ) هو أبو سعيد ، الحسن بن يسار ، الإمام التابعي الجليل ، والزاهد المشهور ( ت 110 ه ) . ينظر حلية الأولياء : 2 / 131 ، وسير أعلام النبلاء : 4 / 563 . وينظر : النكت والعيون : 1 / 92 ، والكشاف : 1 / 273 . قال الطبري رحمة اللّه : ( وعلة من قال هذه المقالة ، أن اللّه عزّ وجلّ أخبر في كتابه : أنه خلق إبليس من نار السموم ، ومن مازج من نار ، ولم يخبر عن الملائكة أنه خلقها من شيء من ذلك ، وأن اللّه عز وجلّ أخبر أنه من الجن ، فقالوا : فغير جائز أن ينسب إلى غير ما نسبه اللّه إليه ، قالوا : ولإبليس نسل وذرية والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد ) . جامع البيان : 1 / 324 .