أبي الحسن علي بن فضال المجاشعي
135
النكت في القرآن الكريم في معانى القرآن الكريم واعرابه
وذهب الجمهور من العلماء « 1 » إلى أنّه من الملائكة ، واحتجوا بأنّه لو كان من غير الملائكة لما كان ملوما في ترك السجود ؛ لأنّ الأمر إنّما يتناول الملائكة دون غيرهم ، قال : وأمّا ما احتجّ به من أنهم : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] وأنّه نفى نفيا عاما ، فإن العموم قد يختصّ من الشّيء ، نحو قوله تعالى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النمل : 23 ] ، وقد علم أنّ المعنى : وأوتيت من كلّ شيء يؤتاه الملوك ، ولم يرد جميع الأشياء ، قال : وأمّا احتجاجه بقوله تعالى : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ [ الكهف : 50 ] فإن الجن جنس من الملائكة ، وقيل يقع الجن على جميع الملائكة ، لاجتنانها عن العيون « 2 » ، قال أعشى قيس بن ثعلبة « 3 » : ولو كان شيء خالدا أو معمّرا * لكان سليمان البريّ من الدّهر براه إلهي واصطفاه عباده * وملّكه ما بين ثريا إلى مصر وسخّر من جنّ الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجر وقال اللّه تعالى : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [ الصافات : 158 ] ، وقال : وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [ الصافات : 158 ] ، فالجنّة هاهنا الملائكة بلا خلاف ؛ لأنّ قريشا قالت : الملائكة بنات اللّه ، فردّ اللّه عليهم . وأمّا قوله : إنّ لإبليس نسلا وذرّية ، والملائكة ليست كذلك ، فلا دليل فيه ؛ لأنّ اللّه تعالى لمّا أهبطه إلى الأرض ولعنه تغيّرت حاله عن حال الملائكة ، فإذا كان كذلك لم تصح الدّلالة بذلك ، وأمّا قوله : أنّه مخلوق من النّار والملائكة خلقوا من الرّيح ، فقال الحسن : الملائكة خلقوا من النّور ، والنّار والنّور سواء « 4 » ، وقوله : الملائكة لا يطعمون ولا يشربون ، والجن يطعمون ويشربون ، فقد جاء عن العرب ما يدلّ على أنّهم لا يطعمون ولا يشربون . أنشد أبو القاسم الزّجاجي « 5 » .
--> ( 1 ) ينظر مجاز القرآن : 1 / 38 ، ومعاني القرآن وإعرابه : 1 / 105 - 106 ، والمحرر الوجيز : 1 / 124 . ( 2 ) ينظر مجمع البيان : 1 / 164 ، وزاد المسير : 4 / 292 ، واللسان : 13 / 97 ( جنن ) ، وتاج العروس : 9 / 165 . ( 3 ) ملحق ديوانه : 243 ، والأضداد ، لابن الأنبازي : 293 ، والنكت والعيون : 1 / 103 . ثريا : اسم بئر بمكة لبني تميم بن مرة . ينظر معجم البلدان : 2 / 77 . ( 4 ) ينظر مجمع البيان : 1 / 164 . ( 5 ) ذكرت هذه الأبيات في مجالسه : 337 ، ونوادر أبي زيد : 123 منسوبة إلى شمير بن الحارث . وينظر اللسان : 3 / 149 ( حسد ) . والزجاجي هو : عبد الرحمن بن إسحاق ، النهاوندي ( ت 337 ه ) وقيل غير ذلك . ينظر إنباه الرواة : 2 / 160 ، وبغية الوعاة : 2 / 77 .