أبي النصر أحمد الحدادي
12
المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى
فأجابه من أبيات قائلا : وجوابه إنّ الكفور ولو أتى * بقليل كفر كان ذاك مكثّرا بخلاف من شكر الإله فإنّه * بكثير شكر لا يعدّ مكثّرا فإذن مراعاة التوازن هاهنا * محظورة لمن اهتدى وتفكّرا - ومن ذلك : قوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ « 1 » . كيف عبّر إلى نوح وإبراهيم بالوصية ، وإلى نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالوحي ؟ وكيف جاء لهما بالموصول « ما » ولنبيّنا ب « الذي » ؟ قال العلامة البقاعي : ولما كان الإعجاز خاصا بنا أبرزه في مظهر العظمة معبّرا بالوحي ، وبالأصل في الموصولات ، ودالا على زيادة عظمته بتقديمه على من كانوا قبله ، مع ترتيبهم عند ذكرهم على ترتيبهم في الوجود فقال : وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وأفرد الضمير زيادة في عظمته ، ودلالة على أنّه لا يفهمه حقّ فهمه غير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ودلّ على عظمة ما كان لإبراهيم وبنيه بما ظهر من آثاره بمظهر العظمة ، وعلى نقصه عمّا إلى نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم بالتعبير بالوصية فقال : وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى . ولمّا اشتدّ تشوف السامع إلى الموحى الموصى به ، وأبرزه في أسلوب الأمر فقال مبدلا من معمول « شرع » أو مستأنفا : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ « 2 » . - ومن ذلك : ما حكي أنّ أبا يوسف القاضي دخل على الخليفة وعنده الكسائي فقال له : لو تفقّهت يا كسائي كان أنبل بك .
--> ( 1 ) سورة الشورى : آية 13 . ( 2 ) انظر نظم الدرر 17 / 264 - 265 .