أبي النصر أحمد الحدادي
114
المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى
ألا ترى أن اللّه تعالى يقول : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى « 1 » وهكذا قوله : فَغَشَّاها ما غَشَّى « 2 » ستر عن كل رقيب ما كان بينه وبين حبيبه . قال الشيخ الإمام رضي اللّه عنه : قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » « 3 » يدلّ هذا على أنّه كان بينه وبين ربّه أسرار « 4 » . واللّه أعلم . - قيل : إنّ هذا شعار لسورة وعلامة لها ، وللّه تعالى أن يعلّم الأشياء ويسمّيها كما يريد كما سمّى الفرس فرسا ، والخيل خيلا ، والأرض أرضا للعلامة . كذلك جعل هذه الأحرف علامة للسور ، حتى إنّه لو قيل لرجل : أيّ سورة قرأت ؟ فيقول : سورة « ألم » و « المص » وأشباه ذلك . - وقيل : إنّ هذه الحروف جعلها اللّه علامة لانقضاء سورة كانت قبلها ، وابتداء أخرى وذلك موجود في كلام العرب ، بينما الرجل ينشد الشعر ، ثم يدخل في كلامه بلى أو بل أو نعم ، علامة لانقضاء كلام الأول وابتداء الآخر .
--> ( 1 ) سورة النجم : آية 10 . ( 2 ) سورة النجم : آية 54 . ( 3 ) الحديث أخرجه الشيخان ، وزاد البخاري : « فغطى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجوههم لهم خنين » وهو في البخاري في كتاب التفسير في سورة المائدة ، وكتاب الرقائق ، وكتاب الاعتصام . وراجع زاد المسلم للشنقيطي 2 / 105 ، وفتح الباري 8 / 280 . ( 4 ) ومما يدل على هذا المعنى ما ذكره البرسوي في تفسيره فقال : لما كلّم اللّه موسى بالواد المقدس قال له : فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . ولما عرج بنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قال اللّه تعالى : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى إلا أنه ما أفشاه ، وكان سرا ، لم يؤهل له أحد من الخلق . راجع روح البيان 5 / 374 .