الواحدي النيسابوري
67
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
وقوله : وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ . يجوز أن يريد ما بيّن لهم في التّوراة والإنجيل ، وهو قول ابن عبّاس . ويجوز أن يريد ما أتى به النّبىّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - من الكتاب ، والآيات ، والمعجزات . وقوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ « 1 » قال ابن عبّاس : لا يرشد من نقض عهود اللّه وظلم نفسه . 89 - وقوله : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ « 2 » قال ابن عبّاس : رجعوا إلى الإيمان باللّه ، والتّصديق بنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم وَأَصْلَحُوا أعمالهم . وقال الزّجّاج « 3 » معنى أَصْلَحُوا : أظهروا / للنّاس أنّهم كانوا على ضلال ، وأصلحوا ما كانوا أفسدوه من تغريرهم من تبعهم ممّن لا علم عنده . فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أعلم اللّه تعالى أنّ من سعة رحمته وتفضّله أن يغفر لمن اجترئ عليه هذا الاجتراء ؛ وذلك أنّ الذي فعلوا لا غاية وراءه في الكفر ؛ وهو أنّهم كفروا بعد تبيّن الحقّ لهم . 90 - قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ قال ابن عبّاس : نزلت في اليهود كفروا بعد إيمانهم بمحمد قبل بعثته « 4 » ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بالإقامة على كفرهم ، حتى هلكوا عليه .
--> ( 1 ) بعد هذا النص القرآني قوله تعالى : أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ . قد تقدم تفسيرهما عند الآيتين رقم 161 ، 162 من سورة البقرة في الجزء الأول من هذا الكتاب صفحة ( 230 ) . ( 2 ) حاشية ج : « [ وذلك ] أن الحارث بن سويد - لما لحق بالكفار ندم ، فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - هل لي [ من ] توبة ؟ ففعلوا ذلك ؛ فأنزل اللّه تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ، فحمل الآية المذكورة رجل من قومه ، وقرأها عليه ، فقال الحارث : إنك واللّه ما علمت لصدوق ، وإن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - لأصدق منك ، وإن اللّه عزّ وجل لأصدق الثلاثة ؛ فخرج الحارث إلى المدينة ، وأسلم ، وحسن إسلامه - من المعالم » ، وبنحوه في ( أسباب النزول للواحدي 109 - 110 ) و ( الدر المنثور 2 : 49 ) و ( تفسير الطبري 6 : 573 ) و ( تفسير ابن كثير 2 : 59 ) . ( 3 ) كما جاء بنحوه في ( معاني القرآن للزجاج 1 : 449 ) . ( 4 ) ج : « كفروا بمحمد بعد . . » اختار الطبري : أن الآية نزلت في اليهود ، كفروا بمحمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - عند مبعثه ، بعد إيمانهم به قبل مبعثه ، ثم ازدادوا كفرا بما أصابوا من الذنوب في كفرهم ، ومقامهم على ضلالتهم ، فهؤلاء لن تقبل توبتهم من ذنوبهم حتى يتوبوا من كفرهم ، وهو قول أبى العالية : ( تفسير الطبري 3 : 344 ) وانظر قول أبى العالية في ( أسباب النزول للواحدي 110 ) و ( تفسير القرطبي 4 : 130 ) .