الواحدي النيسابوري

287

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

أبطل أيّام عمره في رجاء ما لم يدرك منه شيئا ؛ فالعاقل من لم يعرّج « 1 » على هذا ، وجدّ في الطّاعة ، وعلم أنّه سينقطع عن الدّنيا قريبا ، وصدّق اللّه في قوله : وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً : أي إلّا ما يغرّهم بإيهام النّفع فيما فيه الضّرر . 121 - قوله تعالى : أُولئِكَ يعنى : الّذين اتّخذوا الشّيطان وليّا : مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ : مرجعهم ومصيرهم إليها وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً : مفرّا . يقال : حاص عن الأمر ؛ إذا عدل عنه . والمعنى : أنّهم لا بدّ لهم من ورودها والخلود فيها ، فلا معدل لهم عنها . 122 - 123 - قوله عزّ وجلّ : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ « 2 » ظاهر إلى قوله : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ أكثر المفسّرين على أنّ هذا في المسلمين وأهل الكتاب « 3 » ؛ وذلك أنّ المسلمين قالوا : نحن أهدى منكم ، وقال أهل الكتاب : نحن أهدى منكم ؛ فأنزل اللّه هذه الآية « 4 » ؛ يقول : ليس ثواب اللّه بالأمنيّة مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ . وقال الحسن : هذا في الكفّار خاصّة ؛ لأنّهم يجازون بالعقاب على الصّغير والكبير ، والمؤمن يجازى بأحسن عمله ، ويتجاوز عن سيّئاته ، ثم قرأ : لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا . . « 5 » الآية . وقال آخرون : هذا عامّ في كلّ من عمل سوءا ، من مسلم وكافر ، ولكنّ المؤمن ( يجزى به ) « 6 » في الدّنيا .

--> ( 1 ) عرّج بالمكان إذا أقام ، والتعريج على الشئ : الإقامة عليه . ( اللسان - مادة : عرج ) . ( 2 ) بقية الآية : سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا . ( 3 ) انظره مطولا ، ومختصرا في ( أسباب النزول للواحدي 174 ) و ( تفسير الطبري 9 : 228 ، 229 ) و ( الدر المنثور 2 : 693 - 695 ) و ( تفسير ابن كثير 2 : 369 ) و ( تفسير القرطبي 5 : 396 ) و ( البحر المحيط 3 : 355 ) . ( 4 ) قال الواحدي في ( أسباب النزول له : 174 ) بعد هذا : « ثم أفلج اللّه حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان ، بقوله : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وبقوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ الآيتين : [ 124 ، 125 من سورة النساء ] » . ( 5 ) سورة الزمر : 35 ، وتمام الآية : وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ . ( 6 ) أ ، ب : « يجازى بها » .