الواحدي النيسابوري

283

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

114 - قوله عزّ وجلّ : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ « 1 » . « النّجوى » : سرّ بين اثنين ؛ ومنه قوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ « 2 » . قال مجاهد : هذه الآية عامّة بين النّاس ، يريد أنّه لا خير فيما يتناجى فيه النّاس ، ويخوضون فيه من الحديث إلّا ما كان من أعمال الخير ، وهو قوله : إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ قال أبو عبيدة : إلّا في نجوى من أمر بصدقة ، ثمّ حذف المضاف . أَوْ مَعْرُوفٍ قال ابن عبّاس : بصلة رحم ، أو بطاعة اللّه . ويقال : لأعمال البرّ كلّها معروف ؛ لأنّ العقول تعرفها . وقوله : أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ . هذا مما حثّ عليه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال لأبى أيّوب الأنصارىّ : « ألا أدلّك على صدقة هي خير لك من حمر النّعم ؟ » قال : نعم يا رسول اللّه . قال : « تصلح بين النّاس إذا تفاسدوا ، وتقرّب بينهم إذا تباعدوا » « 3 » . وروت أمّ حبيبة : أنّ النّبىّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال : « كلام ابن آدم كلّه عليه لا له إلّا ما كان من أمر بمعروف ، أو نهى عن منكر ، أو ذكر اللّه » « 4 » . وروى أنّ رجلا « 5 » قال لسفيان : ما أشدّ هذا الحديث ، فقال سفيان : ألم تسمع قول اللّه : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ فهذا هو بعينه . ثم أعلم اللّه أنّ ذلك إنّما ينفع من ابتغى به ما عند اللّه فقال : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً : ثوابا

--> ( 1 ) قال الواحدي في ( الوجيز له 1 : 173 ) : فلما بان أن السارق طعمة تناجى قومه في شأنه ؛ فأنزل اللّه : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ . ( 2 ) سورة المجادلة : 7 . ( 3 ) أخرجه البيهقي - عن أبي أيوب ، بنحوه ، كما في ( الدر المنثور 2 : 684 ، 685 ) وأخرجه الحافظ أبو بكر البزار - عن أنس - بمثله . انظر ( تفسير ابن كثير 2 : 265 ) . ( 4 ) أخرجه الترمذي - عن أم حبيبة ، بلفظ يختلف قليلا - في ( صحيحه - أبواب الزهد 9 : 250 ) وابن ماجة أيضا بمثله ، في ( سننه - كتاب الفتن - باب كف اللسان في الفتنة 2 : 1315 ، حديث / 13974 ) وذكره السيوطي مطولا عن أم حبيبة في ( الدر المنثور 2 : 679 - 680 ) . ( 5 ) هو محمد بن يزيد . انظر ( الدر المنثور 2 : 680 ) .