الواحدي النيسابوري
29
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
ومعنى « الاتّقاء » في اللغة : الحجز بين الشّيئين . يقال : اتّقاه بترسه ؛ أي : جعل التّرس حاجزا بينه وبينه ؛ ومنه « التّقية في الدّين « 1 » » ؛ يجعل ما يظهره حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه ؛ ومنه الحديث : « كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فكان أقربنا إلى العدوّ » / . ف « المتّقى » : هو الذي يتحرّز بطاعته عن العقوبة ، ويجعل اجتنابه عمّا نهى عنه ، وفعله ما أمر به حاجزا بينه وبين العقوبة التي توعد بها العصاة « 2 » . والمراد ب ( المتقين ) في هذه الآية : المؤمنون الذين اتقوا الشّرك ، وجعلوا إيمانهم حاجزا بينهم وبين الشّرك ، كأنّه قال : القرآن بيان وهدى لمن اتّقى الشّرك ، وهم المؤمنون . وخصّ المؤمنين بأنّ الكتاب بيان لهم دون الكفّار - الذين لم يهتدوا بهذا الكتاب - ؛ لانتفاعهم به دونهم ؛ كقوله تعالى : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها « 3 » وكان - صلّى اللّه عليه وسلم - منذرا لمن خشي ولمن لم يخش . قال ابن الأنبارىّ : معناه « 4 » هدى للمتقين والكافرين ، فاكتفى بأحد الفريقين عن الآخر ؛ كقوله تعالى : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ « 5 » أراد : الحرّ والبرد ، فاكتفى بذكر أحدهما . وأمّا إعراب هُدىً فقال الزّجاج : يجوز أن يكون موضعه نصبا على الحال ، كأنّه قال : هاديا للمتّقين ؛ ويجوز أن يكون موضعه رفعا على إضمار هو ؛ كأنّه لما تمّ الكلام قيل : هو هدى ؛ ويجوز أن يكون الوقف على قولك : لا رَيْبَ ، أي ذلك
--> ( 1 ) حاشية ج : « التقية في الدين : عبارة عن أن يكون الشخص بين قوم يخالفونه في اعتقاده الصحيح ، فيخاف إن أظهر اعتقاده عندهم أن يلحقوا به ضررا ، فيظهر خلاف ما اعتقده » . ( 2 ) وقال ابن عباس : المتقى : من يتقى الشرك والكبائر والفواحش ؛ وهو مأخوذ من الاتقاء وهو الحجز بين الشيئين ، ( الدر المنثور 1 : 24 ) . ( 3 ) سورة النازعات : 45 . ( 4 ) أ ، ب : « بيان هدى » . ( 5 ) سورة النحل : 81 .