الواحدي النيسابوري

104

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

51 - قوله تعالى : وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً « 1 » قال المفسرون : إنّ اللّه تعالى لمّا أنجى موسى وبني إسرائيل ، وأغرق فرعون ، وأمن بنو إسرائيل من عدوّهم ، ودخلوا مصر ، ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ممهّدة ، فواعد اللّه موسى أن يؤتيه الكتاب ، فيه بيان ما يأتون وما يذرون « 2 » ، وأمره أن يصوم ثلاثين يوما ، فصامه وصالا ، ولم يطعم شيئا ، فتغيّرت رائحة فمه ، فعمد إلى لحاء شجرة « 3 » فمضغها ، فأوحى اللّه إليه : « أما علمت أنّ خلوف فم الصّائم أطيب عندي من ريح المسك » ، وأمره أن يصل بها عشرا فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً « 4 » وخرج موسى من بين بني إسرائيل « 5 » تلك الأيّام ؛ فاتّخذ السّامرىّ عجلا ، وقال لبنى إسرائيل : هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى « 6 » ؛ فافتتن بالعجل ثمانية آلاف رجل منهم ، وعكفوا عليه يعبدونه « 7 » . وقراءة « 8 » أكثر القرّاء : « واعَدْنا » « 9 » من المواعدة « 10 » ، لأنّ ما كان من اللّه تعالى من الوعد ، ومن موسى من القبول ، والتّحرّى لإنجازه يقوم مقام الوعد ، فصار كالتواعد من الفاعلين . وأيضا فإنّ المفاعلة قد تقع من الواحد ، وقد ذكرنا « 11 » . وقرأ أبو عمرو « 12 » : « وعدنا » - بغير ألف - لكثرة ما جاء في القرآن من هذا القبيل

--> ( 1 ) حاشية ج : « موسى : اسم عبرى عرب ، و « مو » بالعبرانية : الماء ، و « شى » : الشجر » . ( 2 ) حاشية ج : « أي : بيان المأمورات والمنهيات . ويذرون : يتركون » . ( 3 ) أي : قشر شجر . . ( اللسان - مادة : لحا ) . ( 4 ) سورة الأعراف : 142 . حاشية ج : « ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة » . ( 5 ) ب : « من بني إسرائيل » . ( 6 ) سورة طه : 88 . ( 7 ) هذا المعنى جاء مطولا في ( تفسير الطبري 2 : 62 - 69 ) . ( 8 ) أ : « وقرأه » ، ب : « وقرأ » . ( 9 ) رويت هذه القراءة عن مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي ؛ على ما في ( تفسير القرطبي 1 : 394 ) وانظر ( إتحاف فضلاء البشر 136 ) . ( 10 ) حاشية ج : « هو من المفاعلة التي تكون بين الواحد . قال الزجاج : كان من اللّه الأمر ومن موسى القبول فلذلك ذكر بلفظ المواعدة » . ( 11 ) انظر فيما تقدم عند معنى الآية 9 من سورة البقرة صفحة ( 38 - 39 ) . ( 12 ) كما جاء في ( تفسير الطبري 2 : 59 ) .