الواحدي النيسابوري

102

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

يَسْتَحْيُونَ : يستفعلون من الحياة ؛ والمعنى : يستبقونهنّ أحياء « 1 » ولا يقتلونهنّ ؛ ومنه الحديث : « اقتلوا شيوخ المشركين ، واستحيوا شرخهم » « 2 » . واسم « النّساء » يقع على الصّغار والكبار ؛ وهم كانوا يستبقون البنات ، لا يقتلونهنّ . « 3 » والخطاب لبنى إسرائيل يذكّرهم اللّه تعالى النّعمة عليهم - حين أنجاهم من عدوّهم ، الذين كانوا يذيقونهم شدّة العذاب ، بذبح الأبناء ، واستبقاء النّساء ، ثم قال : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ « البلاء » : اسم ممدود من البلو « 4 » ؛ وهو الاختبار والتّجربة . يقال : بلاه يبلوه بلوا ؛ إذا جرّبه . و « البلاء » يكون حسنا ويكون سيّئا ؛ واللّه - عزّ وجلّ - يبلو عباده بالصّنيع الحسن ، ليمتحن شكرهم عليه ؛ ويبلوهم بالبلوى التي يكرهونها ليمتحن صبرهم . فقيل : للحسن بلاء ، وللسّيّئ بلاء ؛ لأنّ أصلهما المحنة « 5 » ؛ ومنه قوله تعالى : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ « 6 » ، وقال : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً « 7 » . والذي في هذه الآية يحتمل الوجهين ؛ فإن حملته على الشّدّة كان معناه : في استحياء البنات للخدمة ، وذبح البنين بلاء ومحنة ؛ وهو قول ابن عباس في رواية عطاء والكلبىّ .

--> ( 1 ) ب : « يستبقوهن أحياء » انظر ( الوجيز للواحدي 1 : 13 ) . ( 2 ) رواه أحمد في مسنده ، وأبو داود في سننه ، والترمذي في صحيحه عن سمرة ؛ ورمز له السيوطي بعلامة الصحيح الحسن . انظر ( شرح الجامع الصغير للمناوي 1 : 86 ) . حاشية ج : « شرخ : جمع شارخ ، وشرخهم ، أي : شبابهم » . ( 3 ) ب : « ولا يقتلونهن » . ( 4 ) ب : « من البلوى » . انظر ( اللسان - مادة : بلا ) . ( 5 ) حكى هذا المعنى عن أبي الهيثم ، كما في ( الغريبين للهروي 1 : 210 ) وبنحوه في ( تفسير الطبري 2 : 49 ) . ( 6 ) سورة الأعراف : 168 . ( 7 ) سورة الأنبياء : 35 . قال ابن قتيبة : أي نختبركم بالشر لنعلم كيف صبركم ، وبالخير لنعلم كيف شكركم ( فتنة ) ، أي اختبار » . ( تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة : 360 ) .