الواحدي النيسابوري
71
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
في الدّنيا ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث ، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي : تردّون فيفعل بكم ما يشاء . 29 - قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً قال المفسّرون : لمّا استعظم المشركون أمر الإعادة عرّفهم اللّه خلق السّماوات والأرض ؛ ليدلّهم بذلك على قدرته على الإعادة . فقوله : ( لَكُمْ ) ، أي : لأجلكم « 1 » ، فما في الأرض كلّه مخلوق للآدميّين : بعضه للانتفاع ، وبعضه للاعتبار ؛ كالسباع والعقارب ، والحيّات ؛ فإن فيها عبرة وتخويفا ، لأنّه إذا رئى طرف من المتوعّد به ، كان ذلك أبلغ في الزّجر عن المعصية « 2 » . وقوله عزّ وجلّ : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قال الفرّاء : « الاستواء » في كلام العرب : على وجهين ؛ أحدهما : أن يستوى الرجّل ، وينتهى شبابه وقوّته ؛ أو يستوى من اعوجاج ؛ فهذان وجهان . ووجه ثالث : أن تقول : كان فلان مقبلا على فلان ، ثم استوى إلىّ وعلىّ يكلّمنى ؛ على معنى : أقبل إلىّ وعلىّ « 3 » ، فهذا معنى قوله تعالى : ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ) وسئل أحمد بن يحيى ثعلب عن الاستواء في صفة اللّه تعالى ؟ فقال : « الاستواء » : الإقبال على الشّىء « 4 » . قال الزّجّاج : قال قوم في قوله تعالى : ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ) أي : عمد « 5 »
--> ( 1 ) حاشية ج : « لأن اللام للتخصيص . « وقال أبو حيان » : والأحسن حملها على السبب فيكون مفعولا لأجله » ( البحر المحيط 1 : 133 ) . ( 2 ) حاشية ج : « أي : إذا شوهد في الدنيا بعض من الذي توعد به في الآخرة كان أقوى في الزجر عن المعصية » . ( 3 ) ( معاني القرآن للفراء 1 : 25 ) و ( تفسير الطبري 1 : 428 ) . ( 4 ) قال البيهقي أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين : قوله : ( اسْتَوى ) بمعنى أقبل صحيح ؛ لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء ، والقصد هو الإرادة ، وذلك جائز في صفات اللّه تعالى » . ( تفسير القرطبي 1 : 254 - 255 ) حاشية ج : « المراد بالاستواء : استواء يليق بعظمته وجلاله ، لا الاستواء الصادر عن المركبات ، كقيام وركوع وسجود . . . » . ( 5 ) حاشية ج : « عمد - بفتح الميم - يقال : عمدت الشئ أعمد : قصدت له ، وعمد الثرى - بالكسر - : إذ بلله المطر » .