الواحدي النيسابوري

54

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

ومعنى الآية : أنّ اللّه تعالى احتجّ على العرب بأنّه خالقهم وخالق من قبلهم ، لأنّهم كانوا مقرّين بذلك ؛ لقوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ « 1 » فقيل لهم : إذ كنتم « 2 » معترفين بأنّ اللّه خالقكم « 3 » فاعبدوه ؛ فإنّ عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوقين ، من الأصنام . وقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . قال ابن الأنبارىّ : « لعلّ » يكون ترجّيا ، ويكون بمعنى : « كي » « 4 » . وقال سيبويه : « لعلّ » كلمة ترجية وتطميع ، أي : كونوا على رجاء وطمع أن تتّقوا بعبادتكم عقوبة اللّه أن تحلّ بكم ؛ كما قال - في قصّة فرعون - : ( لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ) « 5 » كأنّه قال : اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما « 6 » ، واللّه تعالى من وراء ذلك وعالم بما يؤول إليه أمره « 7 » . 22 - قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً . « الْأَرْضَ » التي عليها النّاس ؛ وهي فراش الأنام ، على معنى أنّها فرشت لهم ، أي : بسطت لهم ؛ وهذا كقوله : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً « 8 » . والمعنى : أنّه لم يجعلها حزنة « 9 » غليظة لا يمكن الاستقرار عليها .

--> ( 1 ) سورة الزخرف : 87 . ( 2 ) ب : « إذا كنتم » . ( 3 ) أ ، ب : « بأنه خالقكم » . ( 4 ) قال في ( تفسير البحر المحيط 1 : 95 ) : وليست « لعل » هنا - بمعنى « كي » لأنه قول مرغوب عنه ولكنها للترجى والإطماع ؛ وهو بالنسبة إلى المخاطبين ؛ لأن الترجى لا يقع من اللّه تعالى : إذ هو عالم الغيب والشهادة ، . » وهذا المعنى يتضمن قول سيبويه وأرباب اللسان ، واختاره أبو المعالي ، كما جاء في ( تفسير القرطبي 1 : 227 ) . ( 5 ) سورة طه : 44 . ( 6 ) كما في ( الفخر الرازي 1 : 222 ) بزيادة « في إيمانه » . ( 7 ) حاشية ج : « على ما في المغرب . قول الواحدي - « من وراء ذلك » عبارة عن علم اللّه تعالى به ، وقوله : « بما يؤول إليه » عطف على قوله : « من وراء ذلك » لبيانه . والحاصل أن الرجاء بالنسبة لموسى وهارون - لا بالنسبة إلى اللّه تعالى ؛ لأنه عالم بعاقبة أمر فرعون » . ( 8 ) سورة نوح : 19 . ( 9 ) « الحزن - بفتح الحاء والزاي - : ما غلظ من الأرض ؛ وهو خلاف السهل ، ( اللسان - مادة : حزن ) .