القاضي عبد الجبار الهمذاني
460
متشابه القرآن
فإن قال : فما المراد بذلك ، وعندكم أن المكلف بالتكليف العقلي يحسن تعذيبه وإن لم تبعث إليه الرسل ؟ قيل له : إن المراد به العذاب المعجّل في دار الدنيا ؛ لأن عادة اللّه تعالى لم يجرها إلا بعد بعثه الرسل ، ووقوع التكذيب منهم . وقد قيل : إن المراد بذلك : من المعلوم من حاله أن مصالحه موقوفة على شريعة الرسل ؛ لأن من هذه حاله لا يجوز أن يخلّى من رسول يبعث إليه ، ولو لم يبعث إليه لم يحسن تعذيبه ! وقد قيل : إن المراد بذلك الخواطر الواردة على المكلف على كل حال ؛ لأن التكليف كان لا يصح إلا بعدها . وعلى جميع الوجوه ؛ فالذي ذكرناه من الأدلة صحيح . 420 - مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه - تعالى - يريد الكفر والفسق والهلاك ، فقال : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها ، فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ . . [ 16 ] . والجواب عن ذلك : أن ظاهره - إن دل - فإنه يدل على أنه تعالى أمر بذلك ، وليس هذا بقول لأحد ، فكيف والظاهر لا يدل على ما قالوه ، لأنه لم يذكر تعالى المأمور به ، وحذف ذكره ، وإنما بين أنهم فسقوا فيها ، فكيف يصح التعلق بظاهره ؟ وأما قوله تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً فالهلاك المراد قد يكون حسنا إذا كان عقابا أو محنة ، فلا ظاهر له في أنه قد أراد القبيح ، تعالى اللّه عن ذلك !