القاضي عبد الجبار الهمذاني
461
متشابه القرآن
وبعد ، فإن قوله : فَفَسَقُوا فِيها يدل على أن المأمور به هو الشيء الذي بفسقهم خرجوا عنه ، ولولا ذلك لم يصح أن يتعلق به . فالمراد بالآية : أنه أمرهم بالطاعة ففسقوا بالخروج عن ذلك ، فحق عليهم القول والوعيد ، لأنه تعالى كان خبر عنهم أنهم سيهلكون بسوء اختيارهم « 1 » .
--> ( 1 ) هذا التأويل الذي ارتضاه القاضي رحمه اللّه ، هو أحد وجوه أربعة ذكرها الشريف المرتضى في أماليه ، وفصل فيها القول ووجوه الاعتراض بأحسن مما أوجزه شيخه هنا في وجه واحد ، إلا أن هذا الوجه هو اختيار أبى جعفر الطبري رحمه اللّه - أيضا - فبعد أن ذكر في تأويل الآية ، وفي قراءة [ أمرنا ] عدة روايات ، صوب قراءة من قرأ : أمرنا بقصر الألف ، وتخفيف الميم - وهي القراءة التي ذكرها القاضي . أولا - « لإجماع الحجة من القراء على تصويبها ، دون غيرها » كما ذكر ، ثم قال : « وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب فأولى التأويلات به ، تأويل من تأوله : أمرنا أهلها بالطاعة ، فعصوا وفسقوا فيها فحق عليهم القول ؛ لأن الأغلب في معنى [ أمرنا ] الأمر الذي هو خلاف النهي ، دون غيره ، . . ومعنى قوله : [ فَفَسَقُوا فِيها ] : فخالفوا أمر اللّه فيها ، وخرجوا من طاعته ، [ فحق عليها القول ] يقول : فوجب عليهم بمعصيتهم اللّه وفسوقهم فيها ، وعيد اللّه الذي أوعده به من كفر به ، وخالف رسله ، من الهلاك بعد الإعذار والإنذار بالرسل والحجج » . انظر الأمالي 1 / 1 - 5 الطبري : 15 / 57 . أما الزمخشري رحمه اللّه ، فقد رد هذا الوجه بإطلاق ، وقال في ذلك كلاما دقيقا ننقله بنصه تعقيبا على اختيار القاضي وترجيح الطبري ، قال : « فإن قلت : هلا زعمت أن معناه : أمرناهم بالطاعة ففسقوا ! قلت : [ لا يصح ] لأن حذف ما لا دليل عليه [ غير ] جائز ، فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه ؟ وذلك أن المأمور به إنما حذف لأن « فسقوا » يدل عليه ، وهو كلام مستفيض ؛ يقال : أمرته فقام ، وأمرته فقرأ ، ولا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام وقراءة . ولو ذهبت تقدر غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب » « ولا يلزم على هذا قولهم : أمرته فعصاني ، أو : فلم يمتثل أمرى ؛ لأن ذلك مناف للأمر ، مناقض له ، ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورا به ، فكان محالا أن يقصد أصلا ، حتى يجعل دالا على المأمور به ، فكان المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه ولا منوى ؛ لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوى لأمره مأمورا به ، وكأنه يقول : كان منى أمر فلم تكن منه طاعة ، كما أن من يقول : فلان يعطي ويمنع ويأمر وينهى ، غير قاصد إلى مفعول ، ثم يفعل . « فإن قلت : هلا كان ثبوت والعلم بأن للّه لا يأمر بالفحشاء ، وإنما يأمر بالقصد والخير ، دليلا على أن المراد : أمرناهم بالخير ففسقوا قلت لا يصح ذلك ؛ لأن قوله : ففسقوا ، يدافعه ، فكأنك أظهرت شيئا وأنت تدعي إضمار خلافه » . أما الوجه عنده ، فهو صرف الأمر إلى المجاز ، قال في قوله تعالى :