القاضي عبد الجبار الهمذاني

454

متشابه القرآن

على الذين يتولونه ، وحال فعله معهما لا تختلف ؟ قيل له : إن المؤمن ، لما كان لقوة بصيرته وشدة رغبته في الطاعة ومعرفته بموقع المعصية تصير وسوسته غير مؤثرة فيه ، جاز أن يقول : « لا سلطان له « 1 » عليه . ومن يتولاه لما خرج عن هذه الصفة ، وصيّر نفسه كالمنقاد له فيما يخطر له من الشر ، جاز أن يقول : له عليه سلطان ، وإلا فلو كان يفعل بمن يتولاه أكثر من الوسوسة حتى يحمله على المعصية وقدر على ذلك ، لكان يفعل مثله بالمؤمن ؛ لأنه إلى الإضرار بالمؤمن أقرب ، ومحبته لصرفه عن الإيمان أشد . وهذه الآية ، من هذا الوجه ، تدل على بطلان قول الحشوية أن الشيطان يقدر على أن يصرع الإنسان ويخبطه ، لأنه لو قدر على ذلك لكان له سلطان على الذين آمنوا ، لأن فيهم من قد يلحقه ذلك . وتدل أيضا على أن الشيطان لا يقدر على أن يرفع الصوت على وجه نسمعه ؛ لأنه لو قدر على ذلك لأفشى سر المؤمن ، ولبثّ عنه ما يضره انتشاره وظهوره ، وكان يكون له عليه سلطان من بعض الوجوه . ومن وجه آخر ، وهو أن قوله تعالى : وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ « 2 » يدل على أن العبد يفعل ، لأن توكله عليه إنما هو بأن يطلب الشيء من جهته ولا يعدل عنه إلى غير وجهه ، ولو لم يكن فاعلا لما صح ذلك فيه ، كما لا يصح أن يتوكل على اللّه في لونه وسائر ما اضطر إليه !

--> ( 1 ) ساقط من د . ( 2 ) تتمة الآية 99 السابقة .