القاضي عبد الجبار الهمذاني
11
متشابه القرآن
من صفات ذاته تعالى ، « وإن من « 1 » يثبت ما يخالف هذا الكلام « 2 » فيزعم أنه من صفات الذات ، فقد وافق في أن القرآن الذي صفته ما ذكرناه « 3 » من أفعاله عز وجل ، فالذي أصّلناه فيه صحيح . وبعد ، فان الذي قالوه لو ثبت لأوجب صحة ما قلناه ، لأن صفات الذات لا يصح أن تدل إلا بعد أن يعرف الموصوف ، ويعلم كيف يستحق هذه الصفات
--> ( 1 ) في النسختين . وإنما . ( 2 ) المراد بالمثبت القائل ، كما يقال . فلان يثبت كذا وفلان يقول بكذا . وليس المراد من يقيم الدليل على ما ذهب إليه . ( 3 ) أي الذي يتلى ويسمع . وفي قوله : « وإن من يثبت ما يخالف . . . الخ إشارة إلى ما ذهب إليه عبد اللّه بن كلاب ومن تابعه - ومنهم على ما يقال أبو الحسن الأشعري الذي اشتهر نسبه هذا الرأي إليه - في التفريق بين نوعين من الكلام : أحدهما : نفسي وهو القائم بالذات . أو هو صفة ذاتية قديمة . والثاني هو المقروء المكتوب المؤلف من الحروف والكلمات أو : الذي يتلى ويسمع كما عبر عنه القاضي وهذا فعل وليس بصفة أزلية ، قال ابن حجر : « وقالت الكلابية : الكلام صفة واحدة قديمة العين ، لازمة لذات اللّه كالحياة ، وأنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته ، وتكليمه لمن كلمه إنما هو خلق إدراك له يسمع به الكلام » ثم قال : « وأخذ بقول ابن كلاب : القابسي والأشعري وأتباعهما وقالوا : إذا كان الكلام قديما لعينه لازما لذات الرب ، وثبت أنه ليس بمخلوق : فالحروف ليست قديمة لأنها متعاقبة . وما كان مسبوقا بغيره لم يكن قديما ، والكلام القديم معنى قائم بالذات لا يتعدد ولا يتجزأ ، بل هو معنى واحد » . انظر فتح الباري : 13 / 388 والمؤلف يلزم المخالف بهذا الاعتبار ، بغض النظر عن رفض المعتزلة لهذا التقسيم ليصح له ما أصل في الاستدلال من أن القرآن مخلوق ، وأنه من فعله عز وجل . انظر : شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار : 527 فما بعدها . الفصل لابن حزم 3 / 4 الملل والنحل للشهرستاني ( بهامش الفصل ) : 1 / 123 وانظر في تحقيق ما ذهب إليه الامام الأشعري في الموضوع : مقدمة في نقد مدارس علم الكلام ، التي صدر بها الأستاذ الدكتور محمود قاسم كتاب : مناهج الأدلة لابن رشد لطبعة الثانية . ص 66 . وقارن ما قاله القاضي هنا في وصف القرآن : ( الذي يتلى ويسمع ) وما رمي به الأشعري المعتزلة من تدليس الكفر لقولهم بخلق القرآن ، اعتمادا على أنهم يقولون فيه : كلام ملفوظ به ! ! أنظر الإبانة ، الطبعة المنيرية بالقاهرة ، ص 30