القاضي عبد الجبار الهمذاني
34
متشابه القرآن
واعلم أن الخطاب على ضربين : أحدهما يستقل بنفسه في الإنباء عن المراد ، فهذا لا يحتاج إلى غيره في كونه حجة ودلالة . والثاني لا يستقل بنفسه فيما يقتضيه ، بل يحتاج إلى غيره ، ثم ينقسم ذلك « 1 » إلى قسمين : أحدهما : يعرف المراد به وبذلك الغير بمجموعهما ، والثاني يعرف المراد به « 2 » بذلك الغير بانفراده ، ويكون هذا الخطاب لطفا وتأكيدا . ولا يخرج خطاب اللّه أجمع عن هذه الأقسام الثلاثة . والقرائن قد تكون متصلة سمعا ، وقد تكون منفصلة سمعا وعقلا ، وقد بينا أن الدليل العقلي وإن انفصل فهو كالمتصل في أن الخطاب يترتب عليه ، لأن قوله جلّ وعز : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ « 3 » مع الدليل العقلي الدالّ على أنه لا يكلف من لا عقل له ، آكد في بابه من أن يقول : يا أيها العقلاء اتقوا ربكم . وهذا الخطاب الذي لا يستقل بنفسه قد اختلف الناس في العبارة عنه . وليس المعتبر بالعبارات ؛ لأن وصف بعضه بأنه محكم « 4 » ، وبعضه بأنه متشابه وبعضه بأنه مجاز ، وبعضه بأنه محذوف ، إلى ما شاكله ، لا يؤثر في أنه متفق في الوجه الذي ذكرناه ، وفي أنه يحتاج فيه إلى طلب قرينة يعرف بها المراد ، لكنه قد يختلف ، ففيه ما يحتاج إلى قرائن ، وفيه ما يحتاج إلى قرينة واحدة ويتفاوت في ذلك ، وربما ظهر الحال في تلك القرينة وربما غمض ، ولذلك يكثر « 5 » اختلاف الفقهاء وأهل العلم فيما هذا حاله .
--> ( 1 ) ساقطة من د . ( 2 ) ساقطة من د . ( 3 ) من الآية 21 من سورة البقرة . ( 4 ) د : مجمل . ( 5 ) د : كثر .