الشريف المرتضى
21
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
وقال اللّه تعالى : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً « 1 » وإنّما أراد هذا المعنى لا محالة . فإذا تقرّر ما ذكرناه ، وكان الصحيح الجسم يشقّ عليه المشي الطويل إلى الحج لم يكن مستطيعا له في العرف الذي ذكرناه ؛ وكذلك من وجد الراحلة ولم يجد نفقة لطريقه ولا لعياله يشقّ عليه السفر ويصعب وتنفر نفسه لا يسمّى مستطيعا ، فوجب أن تكون الاستطاعة ما ذكرناه ، لارتفاع المشاقّ والتكلّف معه « 2 » . [ الثالث : إن سأل سائل ] فقال : ما القول في الاستطاعة ؟ وهل تكون قبل الفعل أو معه ؟ الجواب وباللّه التوفيق : إنّ الاستطاعة هي القدرة على الفعل ، والقدرة التي يفعل بها الفعل لا يكون إلّا قبله ، ولا يكون معه في حال وجوده . والذي يدلّ على ذلك : أنّ القدرة إنّما يحتاج إليها ليحدث بها الفعل ، ويخرج بها من العدم إلى الوجود ، فمتى وجبت والفعل موجود ، فقد وجبت في حال استغنائه عنها ؛ لأنّه لم يستغن بوجوده عن مؤثّر في وجوده ، وإنّما يستغنى في حال البقاء من مؤثرات الوجود لحصول الوجود ، لا بشيء سواه . وليس يمكن أن تنزّل القدرة في مصاحبتها للفعل الذي تؤثر فيه منزلة العلة المصاحبة للمعلول ؛ لأنّ القدرة ليست علة في المقدور ولا موجبة له ، بل تأثيرها اختيار وإيثار من غير إيجاب ؛ لما قد بيّن في مواضع كثيرة من الكتب . ولولا أنّها مفارقة للعلّة بغير شبهة لاحتاج المقدور في حال بقائه إليها ، كحاجته في حال حدوثه ؛ لأنّ العلّة يحتاج المعلول إليها في كلّ حالة من حدوث أو بقاء . ولا خلاف في أنّ القدرة يستغني عنها المقدور في حال بقائه . وقد قال الشيوخ مؤكدين لهذا المعنى : فمن كان في يده شي فألقاه لا يخلو
--> ( 1 ) سورة الكهف ، الآيات : 75 - 72 - 67 . ( 2 ) الناصريات : 303 .