الشريف المرتضى
22
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
استطاعة إلقائه من أن تكون ثابتة ، والشيء في يده أو خارج عنها . فإن كانت ثابتة والشيء في يده ، فقد دلّ على تقديمها ، وهو الصحيح ؛ وإن كانت ثابتة والشيء خارج عن يده ملقى عنها ، فقد قدر على أن يلقي ما ليس في يده ، وهذا محال . وليس بين كون الشيء في يده وكونه خارجا عنها واسطة ومنزلة ثالثة . وممّا يدلّ أيضا على أنّ الاستطاعة قبل الفعل ، أنّها لو كانت مع الفعل كان الكافر غير قادر على الإيمان ، ولما كان الإيمان موجودا منه على هذا المذهب الفاسد ، ولو لم يكن قادرا على الإيمان لما حسن أن يؤمر به ، ويعاقب على تركه ، كما لا يعاقب العاجز عن الإيمان بتركه ولا يؤمر به . ولا فرق بين العاجز والكافر على مذاهبهم ؛ لأنّهما جميعا غير قادرين على الإيمان ولا متمكنين منه . قد قال اللّه تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فشرط توجه الأمر بالاستطاعة له ، فلو لا أنّها متقدّمة للفعل وأنّه يكون مستطيعا للحجّ وإن لم يفعله لوجب أن يكون الأمر بالحجّ إنّما توجّه إلى من فعله ووجد منه . وهذا محال . وقد بيّنا الكلام وأحكامها في مواضع كثيرة من كتبنا ، وفي هذه الجملة مقنعة « 1 » . [ الرابع : ] ويوصف تعالى بأنه « غنيّ » ، ومعنى ذلك أنّه حيّ غير محتاج ، ولا يجوز عليه الحاجة وهو تعالى غنيّ لنفسه ، ويوصف تعالى بذلك فيما لم يزل ولا يزال . ولا يوصف تعالى بكلّ صفة يقتضي كونه محتاجا ونفي كونه غنيا ، كوصفه بأنه يسرّ ويفرح ويخاف ويرجو ويشفق ويفزع ؛ لأن ذلك يقتضي جواز اللذّة والألم عليه « 2 » . ويوصف تعالى بأنه « كريم » على وجهين : بمعنى أنه عزيز ، كما يقولون « فلان يكرم عليّ » ، و « فلان أكرم عليّ من فلان » أي أعزّ عليّ منه . والوجه الآخر
--> ( 1 ) الرسائل ، 1 : 144 . ( 2 ) الذخيرة : 587 .