الشريف المرتضى

12

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

والجواب : أنّ للعرب فيما جرى هذه المجرى من الكلام عادة معروفة ، ومذهبا مشهورا ، عند من تصفّح كلامهم وفهم عنهم . ومرادهم بذلك المبالغة في النفي وتأكيده ؛ فمن ذلك قولهم : « فلان لا يرجى خيره » ليس يريدون أنّ فيه خيرا لا يرجى ، وإنّما غرضهم أنّه لا خير عنده على وجه من الوجوه ؛ ومثله : « قلّما رأيت مثل هذا الرجل » وإنّما يريدون أنّ مثله لم ير قليلا ولا كثيرا ؛ وقال امرؤ القيس : على لاحب لا يهتدي بمناره * إذا سافه العود الدّيافيّ جرجرا « 1 » يصف طريقا ، وأراد بقوله : « لا يهتدي بمناره » أنّه لا منار له فيهتدي بها . والعود : المسنّ من الإبل ، والدّيافيّ : منسوب إلى دياف ، قرية بالشام معروفة . وسافه : شمّه ، والجرجرة مثل الهدير ؛ وإنّما أراد ان أنّ العود إذا شمّه عرفه فاستبعده ، وذكر ما يلحقه فيه من المشقّة ، فجرجر لذلك ؛ وقال ابن أحمر : لا تفزع الأرنب أهوالها * ولا ترى الضّبّ بها ينجحر أراد : ليست بها أهوال فتفزع الأرنب ؛ وقال النّابغة : يحفّه جانبا نيق وتتبعه * مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد « 2 » أراد : ليس بها رمد فتكتحل له ؛ وقال امرؤ القيس أيضا « 3 » : وصمّ حوام ما يقين من الوجى * كأنّ مكان الرّدف منه على رال يصف حوافر فرسه . وقوله : « ما يقين من الوجي » فالوجى هو الحفا ، و « يقين » ؛ أي يتوقّين ، يقال : وقي الفرس إذا هاب المشي ، فأراد أنّه لا وجي بحوافره فيتهيبن الأرض من أجله ، والرأل : فرخ النعام ، وشبّه إشراف عجزه

--> ( 1 ) ديوانه : 101 ، واللاحب : الطريق المنقاد الذي لا ينقطع . والمنار : جمع منارة ؛ وهي العلامة التي تجعل بين الحدين ؛ ورواية الديوان : « النباطي » . ( 2 ) انظر الأبيات وشرحها في ديوان النابغة - بشرح البطليوسي 23 ، 24 . ( 3 ) وانظر الديوان : 65 .