الشريف المرتضى
84
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً « 1 » . والشريف المرتضى يؤكّد مجيء فعل الرؤية بمعنى العلم والإدراك ، وإنّما اختصّ هنا بالعلم دون الإدراك ، لأن إزجاء السحاب وتأليفه وأحوال الرعد والبرق لا تدرك إنّما تعرف ، وهذا يعني ضرورة ملاءمة المعنى للسياق ، أي إن معنى اللفظ يتحدّد وفقا للسياق اللغوي الّذي يردفيه اللفظ بحيث يكون معنى اللفظ جزءا من معنى السياق ككلّ . والشريف المرتضى في بيانه لدلالة الألفاظ القرآنية يؤكّد أنّ اللفظ القرآني يتمتّع بكثير من الخصائص الممتازة ، ومن هذه الخصائص حسن انتقاء اللفظة ، واستعمال ما هو أحقّ بالمعنى ، وقد تغيب بعض الفروق الدقيقة بين الألفاظ عن العامّة وأكثر الخاصّة ، وربّما طعن في الكلام من الملحدين من لا معرفة له بمعاني الكلام . وهو حين يقف عند قوله تعالى حاكيا عن عيسى عليه السّلام : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 2 » يقول : فإن قيل : فلم لم يقل وإن تغفر لهم فإنّك أنت الغفور الرحيم ، فهو أليق في الكلام ومعناه من العزيز الحكيم « 3 » ؟ وفي الجواب يقول : قلنا : هذا سؤال من لم يعرف معنى الآية ، لأنّ الكلام لم يخرج مخرج مسألة غفران فيليق بما ذكر في السؤال ، وإنّما ورد على معنى تسليم الأمر إلى مالكه . فلو قيل : فإنّك أنت الغفور الرحيم ، لأوهم الدعاء لهم بالمغفرة ، ولم يقصد ذلك بالكلام ، على أنّ قوله : الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أبلغ في المعنى وأشدّ استيفاء من الغفور الرحيم ، وذلك أنّ الغفران والرحمة قد يكونان حكمة وصوابا ، ويكونان بخلاف ذلك ، فهما بالإطلاق لا يدلّان على الحكمة والحسن ، والوصف بالعزيز الحكيم يشتمل على معنى الغفران والرحمة . . . ويزيد عليهما باستيفاء معان كثيرة ، لأنّ العزيز هو المنيع القادر الّذي لا يذلّ ولا يضام ، وهذا المعنى لا يفهم من الغفور الرحيم البتّة ، وأمّا الحكيم فهو الّذي يضع الأشياء مواضعها ويصيب بها أعراضها ولا يفعل إلّا الحسن الجميل ، فالمغفرة والرحمة إذا اقتضتهما الحكمة دخلتا في
--> ( 1 ) سورة الفرقان ، الآية : 45 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 118 . ( 3 ) ينظر تنزيه الأنبياء : 133 .