الشريف المرتضى
85
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
قوله : الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وزاد معنى هذه اللفظة عليهما من حيث اقتضاء وصفه بالحكمة في سائر أفعاله وإنّما طعن بهذا الكلام من الملحدين من لا معرفة له بمعاني الكلام ، وإلّا فبين ما تضمنه القرآن من اللفظة وبين ما ذكروه فرق ظاهر في البلاغة واستيفاء المعاني والاشتمال عليها » « 1 » . فالشريف المرتضى ينبّه على أنّ التقاط المعنى محتاج إلى نظر في السياق ، وتأمّل في أعطافه ، والسياق - هنا - تطلب هذا اللفظ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ دون سواه ؛ لأنّ المعنى هو تفويض الأمر إلى مالكه وتسليمه إلى مدبّره والتبرّي من أن يكون إليه شيء من أمور قومه « 2 » وهذا يدلّ على دقّة القرآن الكريم في اختيار ألفاظه ، وأنّك لو غيّرت كلمة ووضعتها مكان أخرى منه لشعرت بخلل في النظم « 3 » ، فالأداء القرآني يمتاز « بالتعبير عن قضايا ومدلولات ضخمة في حيز يستحيل على البشر أن يعبروا فيه عن مثل هذه الأغراض ، وذلك بأوسع مدلول وأدقّ تعبير مع التناسق العجيب بين العبارة والمدلول » « 4 » . وقد تنبّه القدماء على هذا الشيء ، وذكروا أنّ ألفاظ القرآن صارت بطريقة استعمالها ووجه تركيبها كأنّها فوق اللغة ، فإنّ أحدا من البلغاء لا تمتنع عليه متى أرادها ، ولكن لا تقع له بمثل ما جاء في القرآن الكريم « 5 » . ويلاحظ على المرتضى - أحيانا - أنّه يستعين بالدلالة السياقية والدلالة العقليّة معا في توجيهه لدلالة النصّ القرآني ، وبخاصّة في الآيات الّتي يصطدم ظاهرها مع مبادئه العقليّة ويتّضح هذا في تفسيره لقوله تعالى : * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 189 ) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 190 ) « 6 » .
--> ( 1 ) نفسه : 133 - 134 . ( 2 ) ينظر تنزيه الأنبياء : 132 - 133 . ( 3 ) ينظر دور الصوت في إعجاز القرآن : 145 . ( 4 ) صفاء الكلمة : 6 . ( 5 ) ينظر تأويل مشكل القرآن : 21 . ( 6 ) سورة الأعراف ، الآيتان : 189 - 190 .