الشريف المرتضى
83
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
من الأوّل وأشبه بقوله : ذا مَتْرَبَةٍ لأنّ كلّ ذلك مبالغة في وصفه بالضرّ ، وليس من المبالغة في الوصف بالضرّ أن يكون قريب النسب . واللّه أعلم بمراده « 1 » . فالمرتضى - هنا - يؤكد أهمّيّة دلالة اللفظة المقصودة ومناسبتها لسابقاتها ولاحقاتها ، وهو يرجح دلالة على دلالة أخرى لأنّه يرى في الدلالة الراجحة أكثر ملاءمة للسياق ، وأدلّ على المعنى ، وبعبارة أخرى ، فهو يجعل السياق مدخلا لفهم المعنى « لأنّه يكشف عن نسق المعاني ويحدد أجزاءها ويربط جملة بجملة ، ثمّ يربط الجملتين أو الجمل بما قبلها » « 2 » ، والسيّد المرتضى - كما هو واضح - يحاول أن يضع يده على جمالية النظم القرآني وسرّ كماله ، من خلال الوقوف على سياق الآيات وما تؤشر من أفكار ، وتومىء إليه من معان . ويتّضح هذا الفهم لأثر السياق في تفسيره لقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ « 3 » . إذ نراه يقول : أمّا قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ فالمراد : ألم تعلم ؛ وإن كان هذا اللفظ مشتركا بين الإدراك والعلم ؛ وإنّما اختصّ هنا بالعلم دون الإدراك ، لأنّ إضافة إزجاء السحاب وتأليفه وجميع ما ذكر في الآية إلى اللّه تعالى ممّا لا يستفاد بالإدراك ، وإنّما يعلم بالأدلّة » « 4 » . فالمرتضى - هنا - يؤكد أنّ السياق يخلص الألفاظ من اشتراك الدلالات وهذا هو الصحيح ، فالألفاظ المشتركة لا يمكن تحديد دلالاتها ما لم تتشح بوشاح السياق . ويلحظ - هنا أنّ القرآن الكريم استعمل في مواضع متعدّدة الفعل « رأى » بصيغة المضارع للتدليل على الرؤية الفكرية لا الحسّيّة ، أو كما يعبر عنها ب « الرؤية العقلية » ، كما في الآية السابقة كما في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ
--> ( 1 ) أما لي المرتضى ، 2 : 291 . ( 2 ) البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري : 207 . ( 3 ) سورة النور ، الآية : 43 . ( 4 ) أما لي المرتضى ، 2 : 203 ، وينظر الأشباه والنظائر : 236 - 237 .