الشريف المرتضى

408

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

قلنا : لا يخلو تعبّدهم له بالسجود من أن يكون على سبيل القبلة والجهة من غير أن يقترن به تعظيم وتقديم أو يكون على ما ذكرناه ، فإن كان الأوّل لم يجز أنفة إبليس من السجود وتكبّره عنه وقوله : أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ « 1 » وقوله : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ « 2 » . والقرآن كلّه ناطق بأنّ امتناع إبليس من السجود إنّما هو لاعتقاده التفضيل به والتكرمة ، ولو لم يكن الأمر على هذا لوجب أن يرد اللّه تعالى عليه ويعلمه أنّه ما أمره بالسجود على جهة تعظيمه له عليه ولا تفضيله ، بل على الوجه الأخر الذي لا حظّ للتفضيل والتعظيم فيه وما جاز إغفال ذلك ، وهو سبب معصية إبليس وضلالته ، فلمّا لم يقع ذلك دلّ على أنّ الأمر بالسجود لم يكن إلّا على جهة التفضيل والتعظيم ، وكيف يقع شكّ في أنّ الأمر على ما ذكرناه وكلّ من أراد تعظيم آدم عليه السّلام ووصفه بما يقتضي الفخر والشرف نعته باسجاد الملائكة ، وجعل ذلك من أعظم فضائله ، وهذا ممّا لا شبهة فيه . فأمّا اعتماد بعض أصحابنا في تفضيل الأنبياء على الملائكة على أنّ المشقّة في طاعات الأنبياء عليهم السّلام أكثر وأوفر ، من حيث كانت لهم شهوات في القبائح ونفار عن فعل الواجبات . فليس بمعتمد ؛ لأنّا نقطع على أنّ مشاقّ الأنبياء أعظم من مشاقّ الملائكة في التكليف ، والشكّ في مثل ذلك واجب وليس كلّ شيء لم يظهر لنا ثبوته وجب القطع على انتفائه . ونحن نعلم على الجملة أنّ الملائكة إذا كانوا مكلّفين فلا بدّ أن تكون عليهم مشاقّ في تكليفهم ، ولولا ذلك ما استحقّوا ثوابا على طاعاتهم ، والتكليف إنّما يحسن في كلّ مكلّف تعريضا للثواب ، ولا يكون التكليف عليهم شاقّا إلّا ويكون لهم شهوات فيما حظر عليهم ونفار عما أوجب عليهم . وإذا كان الأمر على هذا فمن أين يعلم أنّ مشاق الأنبياء عليهم السّلام أكثر من مشاقّ الملائكة ؟ وإذا كانت المشقّة عامّة لتكليف الأمة ، ولا طريق إلى القطع

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 62 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : 12 .