الشريف المرتضى

384

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ « 1 » فأخبر أنّه لا يضلّ أحدا حتى يقيم الحجّة عليه ، فإذا ضلّ عن الحقّ بعد البيان والهدى والدلالة أضلّه اللّه حينئذ ، بأن أهلكه وعاقبه . وأمّا الإضلال الذي ننفيه عن ربّنا تعالى فهو ما أضافه اللّه إلى غيره فقال : وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ « 2 » يقول : أضلّهم بأن دعاهم إلى عبادة العجل . وقال : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى « 3 » يريد أضلّهم بأن قال : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى « 4 » وأمرهم بالكفر ودعى إليه ، واللّه لا يأمر بعبادة غيره ولا يفسد عباده . وقال : فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ « 5 » . وقال : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ « 6 » يريد أنّه أفسد وغرّ وخدع ، واللّه لا يغرّ العباد ولا يظهر في الأرض الفساد . وقال يخبر عن أهل النار : إنّهم يقولون : وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ « 7 » يريد ما أفسدنا ولا غيّرنا ولا بيّن الكفر والمعاصي إلّا المجرمون ، ولم يقولوا ما أضلّنا إلّا ربّ العالمين ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ! وكلّ اضلال أضلّ اللّه به العباد فإنّما هو عقوبة لهم على كفرهم وفسقهم . وأمّا من خالفنا زعموا أنّ اللّه تعالى يبتدئ كثيرا من عباده بالإضلال عن الحقّ ابتداءا من غير عمل ، وأنّ قولهم : إنّ عبدا مجتهدا في طاعة اللّه قد عبده مائة عام ثمّ لا يأمنه أن يضلّه عمّا هو عليه من طاعة فيخلق فيه من الكفر ، ويزين عنده الباطل ، وأن يعبد غيره مائة عام ويكفر به ثمّ لا يأمن أن يخلق في قلبه الإيمان فينقله عمّا هو عليه ، فليس يثق وليه بولايته ، ولا يرهب عدوّه من عداوته .

--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 115 . ( 2 ) سورة طه ، الآية : 85 . ( 3 ) سورة طه ، الآية : 79 . ( 4 ) سورة النازعات ، الآية : 24 . ( 5 ) سورة القصص ، الآية : 15 . ( 6 ) سورة يس ، الآية : 62 . ( 7 ) سورة الشعراء ، الآية : 99 .