الشريف المرتضى
385
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
فصل عود على بدء في معنى الهدى فإن سأل سائل فقال : ما معنى قوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ « 1 » . قيل له : معنى ذلك إنّك لا تنجي من العذاب من أحببت ؛ لأنّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان حريصا على نجاة أقاربه بل كلّ من دعاه . فإن قيل : فلم زعمتم أنّ هذا هو تأويل الآية ؟ قيل له : لمّا كان اللّه قد هداهم بأن دلّهم على الإيمان ، علمنا أنّه لم يهدهم بهدى الثواب ، وقد بيّن اللّه تعالى أنّ الهدى بمعنى الدليل قد هداهم به ، فقال : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى « 2 » يعني الدلالة والبيان . فإن قيل : فما معنى قوله لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ؟ « 3 » قيل له : إنّما أراد به ليس عليك نجاتهم ، ما عليك إلّا البلاغ ولكن اللّه ينجي من يشاء . فإن قيل : فلم قلتم هذا ؟ قيل له : لمّا أخبر اللّه تعالى أنّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد هدى الكافر فقال : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 4 » وإنّما يريد إنّك تدلّ ، فلمّا كان قد دلّ المؤمن والكافر كان قد هدى الكافر والمؤمن ، فعلمنا أنّه أراد بهذه الآية هدى الثواب والنجاة ، فقس على ما ذكرناه جميع ما يسأل عنه من أمثال هذه الآية . باب الكلام في الإرادة وحقيقتها فإن سأل سائل فقال : أتقولون : إنّ اللّه تعالى أراد الإيمان من جميع الخلق المأمورين والمنهيين أو أراد ذلك من بعضهم دون بعض ؟ قيل له : بل أراد ذلك
--> ( 1 ) سورة القصص ، الآية : 56 . ( 2 ) سورة النجم ، الآية : 23 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 272 . ( 4 ) سورة الشورى ، الآية : 52 .