الشريف المرتضى
375
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
ويقال لهم : أليس اللّه تعالى قد فعل الظلم وليس بظالم ؟ فمن قولهم : نعم ، يقال لهم : فما أنكرتم أن يخبر بالكذب ولا يكون كاذبا ؟ فإن قالوا بذلك لم يؤمنوا أنّ جميع أخباره عن الغيب والحساب والجنّة والنار كذب وإن لم يكن كاذبا ، وإن قالوا : لا يجوز أن يخبر بالكذب إلّا كاذب ، قيل لهم : فما أنكرتم أن لا يفعل الظلم إلّا ظالم . فإن قالوا : لا يجب أن يكون اللّه ظالما ؛ لأنّه إنّما فعل ظلم العباد ، قيل : فما أنكرتم أن لا يكون كاذبا ؛ لأنّه إنّما قال كذبا للعباد ، ولم يجدوا ممّا سألناهم عنه مخلصا . ويقال لهم : أليس اللّه تعالى قد فعل عندكم شتم نفسه ولعن أنبيائه ؟ فإن قالوا : نعم . قيل لهم : فما أنكرتم أن يكون شاتما لنفسه لاعنا لأنبيائه ، فإن قالوا : إنّه شاتم لنفسه لاعن لأنبيائه ، فقد سقطت مؤنتهم وخرجوا عن دين أهل القبلة ؛ وإن قالوا : إنّ اللّه لا يجوز أن يشتم نفسه ويلعن أنبياءه ، قيل لهم : فما أنكرتم أن لا يجوز أن يفعل شتم نفسه ولا لعن أنبيائه . وكلّما اعتلوا بعلّة عورضوا بمثلها . فصل التنديد بالقائلين بخلق الأفعال قد كان الأولى أن لا ندلّ على مثل هذه المسألة - أعني أن أفعال العباد فعلهم وخلقهم - لأنّ المنكر لذلك ينكر المحسوسات التي قد تبيّن صحّتها ، ولولا ما رجوته من زوال شبهة ، ومن وضوح حجّة تحصل لقاريء كتابي هذا لما كان هذا الباب ممّا ينتشر فيه القول . ولا أعجب ممّن ينفي فعله مع علمه بأنّه يقع بحسب اختياره ودواعيه ومقاصده ، نعوذ باللّه من الجهل ، فأنّه إذا استولى وغمر طبّق وعمّ ، وقد قال الرسول الصادق صلى اللّه عليه وآله وسلم : حبّك الشيء يعمي ويصم .