الشريف المرتضى
347
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
نبدأ رسالتنا هذه بالحمد للّه ربّنا على نعمه الواصلة منه إلينا ، وعلى إحسانه المتقدّم علينا « 1 » ، إذ أصبحنا بتوحيده وعدله قائمين ولمن جوره في حكمه عائبين ، ولمعاصينا عليه غير حاملين ، وبآثار أئمة الهدى مقتدين ، وبالمحكم من كتابه وآياته متمسّكين . فالحمد للّه الذي اختصّنا بهذه النعمة ، وشرّفنا بهذه الفضيلة ، وصلى اللّه على محمّد خاتم النبيين ، ورسول ربّ العالمين ، الذي جعله رحمة للعباد أجمعين واستنقذ به من الهلكة ، وهدى به من الضلالة ، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما ، فبلغ عن ربّه ، واجتهد في طاعته ، حتى أتاه اليقين ، وعلى آله الطاهرين . سألت أعزك اللّه وأرشدك إملاء رسالة في القدر فقد جالت به الفكر وأكثرها عن معرفته قد انحسر ، وذكرت أنّ الذي حداك إلى ذلك ما وجدته ظاهرا في عوام النيل « 2 » ومعظم خواصّها من القول المؤدّي إلى الكفر المحض بسبب الجبر وتجويرهم اللّه في حكمه ، وحملهم معاصيهم عليه ، وإضافتهم القبائح إليه ، وتعلّقهم بأخبار مجهولة منكرة أو متشابهة في اللفظ مجملة ، وحجاجهم بما تشابه من الكتاب لعدم معرفتهم بفائدته ، وقصور أفهامهم عن [ الغرض ] المقصود به . واعلم أنّ الكلام في القضاء والقدر قد أعيى أكثر أهل النظر ، وأتعب ذوي الفكر ، والمتكلّم فيه بغير علم على غاية من الخطر . والذي يجب على من أراد معرفة هذا الباب - وهو العلم بما يستحقّ الباري سبحانه من الأوصاف الحميدة وما ينفى عنه من ضدّها - فإنّه متى علم ذلك أمن من أن يضيف إليه ما ليس من أوصافه أو ينفي عنه ما هو منها ويتبع ذلك من الأبواب ما لا بدّ من الوقوف عليه : نحو المعرفة بأقوال المبطلين ، ومعرفة أقوال المحقّين ، وغير ذلك ممّا سنبيّنه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) في بعض النسخ : الينا . ( 2 ) النيل يطلق على عدة أمكنة لا نعلم أيها قصد السائل : « أحدها » بليدة في سواد الكوفة قرب حلة بنى مزيد يخترقها خليج كبير يتخلج من الفرات الكبير ، « ثانيها » نهر من انهار الرقة حفره الرشيد على صفة نيل الرقة ، « ثالثها » نيل مصر وهو النهر المشهور ( معجم البلدان : 5 / 334 ) .