علي بن محمد البغدادي الماوردي

63

النكت والعيون تفسير الماوردى

الثاني : أنها جعالة وقد أجاز بعض الفقهاء فيها في الجهالة ، ما لم يجزه في غيرها كما أجاز فيها ضمان ما لم يلزم ، وإن منع منه في غيرها . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 73 إلى 76 ] قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ ( 73 ) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ( 74 ) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 75 ) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ( 76 ) قوله عزّ وجل : قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ أي لنسرق ، لأن السرقة من الفساد في الأرض . وإنما قالوا ذلك لهم لأنهم قد كانوا عرفوهم بالصلاح والعفاف . وقيل لأنهم ردّوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم ، ومن يؤد الأمانة في غائب لا يقدم على سرقة مال حاضر . وَما كُنَّا سارِقِينَ يحتمل وجهين : أحدهما : ما كنا سارقين من غيركم فنسرق منكم . والثاني : ما كنا سارقين لأمانتكم فنسرق غير أمانتكم . وهذا أشبه لأنهم أضافوا بذلك إلى عملهم . قوله عزّ وجل : قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ أي ما عقوبة من سرق منكم إن كنتم كاذبين في أنكم لم تسرقوا منا . قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ أي جزاء من سرق إن يسترق . كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ أي كذلك نفعل بالظالمين إذا سرقوا وكان هذا من دين يعقوب . فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ لتزول الربية من قلوبهم لو بدئ بوعاء أخيه . ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ قيل عنى السقاية فلذلك أنّث ، وقيل عنى الصاع ، وهو يذكر ويؤنث في قول الزجاج .