علي بن محمد البغدادي الماوردي
312
النكت والعيون تفسير الماوردى
أحدها : يعني فلم نخلف منهم أحدا ، قاله ابن قتيبة ، قال ومنه سمي الغدير لأنه ما تخلفه « 523 » السيول . الثاني : فلم نستخلف منهم أحدا ، قاله الكلبي . الثالث : معناه فلم نترك منهم أحدا ، حكاه مقاتل . قوله عزّ وجل : وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا قيل إنهم يعرضون صفا بعد صف كالصفوف في الصلاة ، وقيل إنهم يحشرون عراة حفاة غرلا ، فقالت « 524 » عائشة رضي اللّه عنها فما يحتشمون يومئذ ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ » [ عبس : 37 ] . قوله عزّ وجل : وَوُضِعَ الْكِتابُ فيه وجهان : أحدهما : أنها كتب الأعمال « 525 » في أيدي العباد ، قاله مقاتل . الثاني : أنه وضع الحساب ، قاله الكلبي ، فعبر عن الحساب بالكتاب لأنهم يحاسبون على أعمالهم المكتوبة . فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ لأنه أحصاه اللّه ونسوه . وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها . وفي الصغيرة « 526 » تأويلان : أحدهما : أنه الضحك ، قاله ابن عباس « 527 » . الثاني : أنها صغائر الذنوب التي تغفر باجتناب كبائرها .
--> ( 523 ) كذا في المطبوعة وهو خطأ فاحش والصواب لأنه ماء تخلفه السيول والتصويب من زاد المسير ( 5 / 191 ) وروح المعاني ( 15 / 289 ) . ( 524 ) رواه البخاري ( 11 / 334 ) ومسلم ( 2859 ) والنسائي ( 4 / 114 ) وأحمد ( 1 / 223 ) . ( 525 ) وهو القول الصواب واختاره ابن جرير وغيره ويدل عليه قوله ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وقوله وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه يقول : ضجوا واللّه من الصغائر قبل الكبائر فنسأل اللّه الحساب اليسير والستر في الدنيا والآخرة . ( 526 ) وقد فصل ابن الجوزي رحمه اللّه هنا في معنى الكبيرة والصغيرة المراد في الآية فراجعه ( 5 / 153 ) زاد المسير . ( 527 ) قال العلامة الآلوسي ( 15 / 291 ) « وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال في الآية الصغيرة التبسم والاستهزاء بالمؤمنين والكبيرة القهقهة بذلك وعلى هذا يحمل إطلاق ابن مردويه في الآية عنه رضي اللّه تعالى عنه تفسير الصغيرة بالتبسم والكبيرة بالضحك ويندفع استشكال بعض الفضلاء ذلك ويعلم من أن الضحك على الناس من الذنوب » .