علي بن محمد البغدادي الماوردي
270
النكت والعيون تفسير الماوردى
مِنْ أَمْرِنا [ الشورى : 52 ] فيكون معناه أن القرآن من أمر اللّه تعالى ووحيه الذي أنزل عليّ وليس هو مني . الرابع : أنه عيسى ابن مريم « 453 » هو من أمر اللّه تعالى وليس كما ادعته النصارى أنه ابن اللّه ، ولا كما افترته اليهود أنه لغير رشدة . الخامس : أنه روح الحيوان ، « 454 » وهي مشتقة من الريح . قال قتادة سأله عنها قوم من اليهود وقيل في كتابهم أنه إن أجاب عن الروح فليس بنبيّ فقال اللّه تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي فلم يجبهم عنها فاحتمل ذلك ستة أوجه : أحدها : تحقيقا لشيء إن كان في كتابهم . الثاني : أنهم قصدوا بذلك الإعنات كما قصدوا اقتراح الآيات . الثالث : لأنه قد يتوصل إلى معرفته بالعقل دون السمع . الرابع : لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سؤال ما لا يعني . الخامس : قاله بعض المتكلمين ، أنه لو أجابهم عنها ووصفها ؛ بأنها جسم « 455 » رقيق تقوم معه الحياة ؛ لخرج من شكل كلام النبوة ، وحصل في شكل كلام الفلاسفة . فقال مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي هو القادر عليه . السادس : أن المقصود من سؤالهم عن الروح أن يتبين لهم أنه محدث أو قديم ، فأجابهم بأنه محدث لأنه قال : مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي من فعله وخلقه ، كما قال تعالى « إنما أمرنا لشئ » .
--> ( 453 ) وقد نقل ابن الجوزي رحمه اللّه قول أبي الحسن الماوردي هذا في تفسيره زاد المسير ( 5 / 82 ) ثم عقبه بكلام لأبي سليمان الدمشقي قال [ القائل أبو سليمان ] « وقد ذكر اللّه تعالى الروح في مواضع من القرآن فغالب الظن أن الناقلين نقلوا تفسيره [ أي تفسير الماوردي للروح ] من موضعه إلى موضع لا يليق به وظنوه مثله وإنما هو الروح الذي يحيى به ابن آدم . ( 454 ) وهو القول المشهور وقد اختاره ابن جرير ( 15 / 155 ) واستظهره الشوكاني ( 3 / 254 ) ورجحه ابن حجر في الفتح ( 8 / 403 ) وحكاه الآلوسي في روح المعاني عن الجمهور ( 15 / 151 ) وجنح ابن القيم في كتابه الروح إلى تفسير الروح بأن الروح الذي يقوم مع الملائكة عليهم السّلام كما في قوله يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ ونقل ابن القيم عن بعض السلف هذا القول لكن الحافظ ابن حجر تعقبه في ( 8 / 403 ) الفتح والآلوسي في روح المعاني ( 15 / 152 ) . ( 455 ) ومن فضول الأقوال البحث في ماهيتها وقد استأثر اللّه تعالى بعلم كنهها وحقيقتها فلا طائل تحت الأقوال التي أوصلها بعض المفسرين إلى مائة وثمانية عشر قولا .