علي بن محمد البغدادي الماوردي

91

النكت والعيون تفسير الماوردى

وفي قوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ستة تأويلات : أحدها : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً أي لم تكونوا شيئا ، فَأَحْياكُمْ أي خلقكم ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ يوم القيامة ، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود . والثاني : أن قوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً يعني في القبور فَأَحْياكُمْ للمساءلة ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ في قبوركم بعد مساءلتكم ، ثم يحييكم عند نفخ الصور للنشور ، لأن حقيقة الموت ما كان عن حياة ، وهذا قول أبي صالح . والثالث : أن قوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً يعني في أصلاب آبائكم ، فَأَحْياكُمْ أي أخرجكم من بطون أمهاتكم ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ الموتة التي لا بد منها ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث يوم القيامة ، وهذا قول قتادة . والرابع : أن قوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً يعني : أن اللّه عزّ وجل حين أخذ الميثاق على آدم وذريته ، أحياهم في صلبه وأكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق ، ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم ، ثم أحياهم وأخرجهم من بطون أمهاتهم ، وهو معنى قوله تعالى : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ، [ الزمر : 6 ] فقوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً يعني بعد أخذ الميثاق ، فَأَحْياكُمْ بأن خلقكم في بطون أمهاتكم ثم أخرجكم أحياء ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ بعد أن تنقضي آجالكم في الدنيا ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بالنشور للبعث يوم القيامة ، [ وهذا ] قول ابن زيد . والخامس : أن الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة ، فهي ميّتة من حين فراقها من جسده إلى أن ينفخ الروح فيها ، ثم يحييها بنفخ الروح فيها ، فيجعلها بشرا سويّا ، ثم يميته الموتة الثانية بقبض الروح منه ، فهو ميت إلى يوم ينفخ في الصور ، فيرد في جسده روحه ، فيعود حيا لبعث القيامة ، فذلك موتتان وحياتان ( * ) . والسادس : أن قوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً خاملي الذكر دارسي الأثر ، فَأَحْياكُمْ بالظهور والذكر ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث ، واستشهد من قال هذا التأويل بقول أبي بجيلة السّعديّ :