علي بن محمد البغدادي الماوردي

106

النكت والعيون تفسير الماوردى

والقول الثاني : أنه أكل منها وهو سكران فصار مؤاخذا بما فعله في السّكر ، وإن كان غير قاصد له ، كما يؤاخذ به لو كان صاحيا ، وهو قول سعيد بن المسيب . والقول الثالث : أنه أكل منها عامدا عالما بالنهي ، وتأول قوله : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [ طه : 115 ] أي فزلّ ، ليكون العمد في معصية يستحق عليها الذمّ . والرابع : أنه أكل منها على جهة التأويل ، فصار عاصيا بإغفال الدليل ، لأن الأنبياء لا يجوز أن تقع منهم الكبائر ، ولقوله تعالى في إبليس : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [ الأعراف : 22 ] وهو ما صرفهما إليه من التأويل « 150 » . واختلف من قال بهذا في تأويله الذي استجاز به الأكل ، على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه تأول النهي عن عين الشجرة دون جنسها ، وأنه إذا أكل من غيرها من الجنس لم يعص . والثالث : أن التأويل ما حكاه اللّه تعالى عن إبليس في قوله : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [ الأعراف : 23 ] . قوله عزّ وجل : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ . قرأ حمزة « 151 » وحده : فأزالهما بمعنى نحّاهما من قولك : زلت عن المكان ، إذا تنحّيت عنه ، وقرأ الباقون : فأزلّهما بالتشديد بمعنى استزلّهما من الزلل ، وهو الخطأ ، سمي زللا لأنه زوال عن الحقّ ، وكذلك الزّلة زوال عن الحق ، وأصله الزوال .

--> ( 150 ) والثالث من الأقوال أظهر كما رجحه ابن القيم في إغاثة اللهفان ( 1 / 113 ) . ( 151 ) هو حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل أبو عمارة الكوفي . أحد القراء السبعة كان إماما حجة ، قيما بكتاب اللّه تعالى حافظا للحديث بصيرا بالفرائض والعربية مات رحمه اللّه سنة ست وخمسين ومائة وقيل سنة ثمان وخمسين وهو وهم . انظر : - طبقات ابن سعد ( 6 / 385 ) ، التاريخ الكبير ( 3 / 52 ) ، مرآة الجنان ( 1 / 332 ) سير أعلام النبلاء ( 7 / 90 ) ، العبر ( 1 / 226 ) .