ابو القاسم عبد الكريم القشيري

87

لطائف الإشارات

المطالبة عليها بإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في أحسن العمل . وعلى القلوب بلاء وهو مطالبتها بالطلب والفكر الصادق بتطلّع البرهان على التوحيد والتحقق بالعلم . وعلى الأرواح بلاء وهو التجرّد عن محبة كلّ أحد والتفرّد عن كل سبب ، والتباعد عن كل المساكنة لشئ من المخلوقات . وعلى الأسرار بلاء وهو الاعتكاف بمشاهد الكشف بالصبر على آثار التجلّى إلى أن تصير مستهلكا فيه . ويقال فتنة العوام في أيام النظر والاستدلال ، وفتنة الخواص في حفظ آداب الوصول في أوان المشاهدات . وأشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجرى عليك مكر في أوقات غلبات شاهد الحقّ فيظن أنه الحق ، ولا يدرى أنّه من الحقّ ، وأنّه لا يقال إنّه الحقّ - وعزيز من يهتدى إلى ذلك « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 3 ] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ( 3 ) لم يخلهم من البلاء والمحن ليظهر صبرهم في البلاء أو ضدّه من الضجر ، وشكرهم في الرخاء أو ضدة من الكفر والبطر . وهم في البلاء ضروب : فمنهم من يصبر في حال البلاء ، ويشكر في حال النّعماء . . وهذة صفة الصادقين . ومنهم من يضجّ ولا يصبر في البلاء ، ولا يشكر في النعماء . . فهو من الكاذبين . ومنهم من يؤثر في حال الرخاء ألّا يستمتع بالعطاء ، وبستروح إلى البلاء ؛ فيستعذب مقاساة الضّرّ والعناء . . وهذا أجلّهم . قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 4 ] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 4 ) يرتكبون المخالفات ثم يحكمون لأنفسهم بالنجاة . . ساء حكمهم ! فمتى ينجو من العذاب من ألقى جلباب التّقى ؟ ! ويقال توهموا أنه لا حشر ولا نشر ، ولا محاسبة ولا مطالبة . ويقال اغتروا بإمهالنا اليوم ، وتوهّموا أنهم منّا قد أفتلوا ، وظنوا أنهم قد أمنوا .

--> ( 1 ) يفيد هذا الكلام عند البحث في قضية الحلاج الذي قال وهو غائب في غلبات الشهود : « أنا الحق »