ابو القاسم عبد الكريم القشيري
59
لطائف الإشارات
وقيل « خائِفاً » من اللّه مما جرى منه . ويقال « خائِفاً » على قومه حلول العذاب بهم . وقيل « يَتَرَقَّبُ » نصرة اللّه إياه . ويقال « يَتَرَقَّبُ » مؤنسا يأنس به . فإذا الذي استنصره بالأمس يخاصم إنسانا آخر ، ويستعين به ليعينه ، فهمّ موسى بأن يعين صاحبه ، فقال الذي يخاصمه : « يا مُوسى ، أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ ؟ » : قيل لم يعلم ذلك الرجل أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس ، ولكن لمّا قصد منعه عن صاحبه استدلّ على أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس ، فلما ذكر ذلك شاع في أفواه الناس أنّ موسى هو الذي قتل القبطيّ بالأمس ، فأمسك موسى عن هذا الرجل . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 20 إلى 21 ] وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 ) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 21 ) جاء اسرائيليّ من معارف موسى يسعى ، وقال إن القوم يريدون قتلك ، وأنا واقف على تدبيرهم ؛ وقد أرادوا إعلام فرعون . . فأخرج من هذا البلد ، إني لك من الناصحين . « فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » خرج « 1 » من مصر « خائِفاً » أن يقتفوا أثره ، « يَتَرَقَّبُ » أن يدركه الطلب ، وقيل « يَتَرَقَّبُ » الكفاية والنصرة من اللّه ، ودعا اللّه فقال : « نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 22 ] وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ( 22 ) .
--> ( 1 ) ربما يذكرنا موقف موسى بقضية هامة في الطريق الصوفي هي « السفر » : وضرورته أو عدمها ، وقد اختلف المشايخ في أمره ( الرسالة ص 143 ) ، ويرى القشيري ضرورة السفر . إن نبا المكان واشتد البلاء . ( الرسالة ص 202 ) وهو نفسه غادر بلاده عند إطباق المحنة عليه .