ابو القاسم عبد الكريم القشيري

60

لطائف الإشارات

توجّه بنفسه تلقاء مدين من غير قصد إلى مدين أو غيره ، بل خرج على الفتوح « 1 » ، وتوجّه بقلبه إلى ربّه ينتظر أن يهديه ربّه إلى النحو الذي هو خير له ، فقال : عسى ربى أن يهديني إلى أرشد سبيل لي . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 23 إلى 25 ] وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 ) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 25 ) لمّا وافى مدين شعيب كان وقت الهاجرة ، وكانت لهم بئر يستقون منها ، فيصبون الماء في الحياض ، ويسقون أغنامهم ، وكانوا أهل ماشية . وكان شعيب النبيّ عليه السلام قد كفّ بصره لكثرة بكائه ؛ ففي القصة أنه بكى فذهب بصره ، ثم ردّ اللّه عليه بصره فبكى ، فردّ اللّه بصره فبكى حتى ذهب بصره ، فأوحى اللّه إليه : لم تبكى يا شعيب . . ؟ إن كان بكاؤك لخوف النار فقد أمنتك ، وإن كان لأجل الجنة فقد أتحتها لك . فقال : ربّ . . إنما أبكى شوقا إليك . فأوحى اللّه إليه لأجل ذلك أخدمتك نبيّى وكليمي عشر حجج . وكانت لشعيب أغنام ، ولم يكن لديه أجير ، فكانت بنتاه تسوقان الغنم مكان الرعاة ، ولم يكن لهما قدرة « 2 » على استقاء الماء من البئر ، وكان الرعاة يستقون ، فإذا انقضوا « 3 » فإن بقيت في الحوض بقية من الماء استقت بنات شعيب .

--> ( 1 ) وهكذا سفر الأكابر . ( 2 ) هكذا في ص وهي في م ( قوة ) . ( 3 ) من الجائز أن تكون في الأصل ( انفضوا ) بالفاء فالسياق يحتملها بدليل قوله فيما بعد ( فلما انصرف الرعاة )