ابو القاسم عبد الكريم القشيري
43
لطائف الإشارات
هم الذين سلّم عليهم في آزاله وهم في كتم العدم ، وفي متناول علمه ومتعلق قدرته ، ولم يكونوا أعيانا في العدم ولا أفادوا « 1 » ، فلمّا أظهرهم في الوجود سلّم عليهم بذلك السلام ، ويسمعهم في الآخرة ذلك السلام . والذين سلّم عليهم هم الذين سلموا اليوم من الشكوك والشّبه ، ومن فنون البدع ، ومن وجوه الألم ، ثم من فنون الزّلل وصنوف الخلل ، ثم من الغيبة والحجبة وما ينافي دوام القربة . ويقال اصطفاهم ، ثم هداهم ، ثم آواهم ، وسلّم عليهم قبل أن خلقهم وأبداهم ، وبعد أن سلّم عليهم بودّه لقّاهم . ويقال : اصطفاهم بنور اليقين وحلّة الوصل وكمال العيش . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 60 ] أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) فثمرات الظاهر غذاء النفوس ، وثمرات الباطن والأسرار ضياء القلوب ، وكما لا تبقى في وقت الربيع من وحشة الشتاء بقية فلا يبقى في قلوبهم وأوقاتهم من الغيبة والحجبة والنفرة والتهمة شظيّة . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 61 ] أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 61 ) نفوس العابدين قرار طاعتهم ، وقلوب العارفين قرار معرفتهم ، وأرواح الواجدين قرار
--> ( 1 ) ربما يقصد القشيري أنهم - وقد كانوا في كتم العدم - لم تصدر عنهم طاعة تفيدهم في استحقاق إثابة لهم واستيجاب تسليم عليهم . . والمقصود - إن صحّ هذا الرأي - أن عمل الإنسان لا قيمة له بجانب الفضل الإلهى والقسمة السابقة .