ابو القاسم عبد الكريم القشيري

44

لطائف الإشارات

محبتهم ، وأسرار الموحّدين قرار مشاهدتهم « 1 » ، في أسرارهم أنوار الوصلة وعيون القربة ، وبها يسكن ظلما اشتياقهم وهيجان قلقهم واحتراقهم . « وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ » من الخوف والرجاء ، والرغبة والرهبة . ويقال « جَعَلَ لَها رَواسِيَ » اليقين والتوكل . ويقال الرواسي في الأرض الأبدال والأولياء والأوتاد « 2 » ؛ بهم يديم إمساك الأرض ، وببركاتهم يدفع عن أهلها البلاء . ويقال الرواسي هم الأئمة الذين يهدون المسترشدين إلى اللّه . قوله جل ذكره : « وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ » . « جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً » بين القلب والنفس لئلا يغلب أحدهما صاحبه . ويقال بين العبودية وأحكامها ، والحقيقة وأحكامها ، فلو غلبت العبودية كانت جحدا للحقيقة ، ولو غلبت الحقيقة العبودية كانت طيّا للشريعة . ويقال : ألسنة المريدين مقرّ ذكره ، وأسماعهم محلّ الإدراك الموصّل إلى الفهم ، والعيون مقر الاعتبار . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 62 ] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) فصل بين الإجابة وبين كشف السوء ؛ فالإجابة بالقول والكشف بالطّول ، الإجابة بالكلام والكشف بالإنعام . ودعاء المضطر لا حجاب له ، وكذلك دعاء المظلوم » ولكن لكلّ أجل كتاب » .

--> ( 1 ) هكذا في م وهي في ص ( مساعدتهم ) ويبدو أن الهاء التبست على الناسخ ، فالمعروف أن الاسرار محل المشاهدة . ( 2 ) جاء في حلية الأولياء ( ح 8 ص 367 ) حديث عن النبي ( ص ) : « خيار أمتي في كل قرن خمسمائة والأبدال أربعون فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأبدال ، كلما مات رجل أبدل اللّه عز وجل من الخمسمائة مكانه وأدخل من الأربعين مكانهم ) . ويرى الجرجاني : أن الأبدال سبعة ( التعريفات ص 37 ط مصر سنة 1938 ) ويرى ابن عساكر : أنهم 22 بالشام + 18 بالعراق ( تاريخ دمشق لابن عساكر ح 1 ص 278 ) . ويرى الهجويرى : أن الأوتاد أربعة يطوفون العالم بجملته كل ليلة ( كشف المحجوب ص 269 ) .