ابو القاسم عبد الكريم القشيري

36

لطائف الإشارات

أخذت في المشاورة كما تقتضيه الحال في الأمور العظام ؛ فإن الملك « 1 » لا ينبغي أن يكون مستبدا برأيه ، ويجب أن يكون له قوم من أهل الرأي والبصيرة . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 33 ] قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ ( 33 ) أجابوا على شرط الأدب ، وقالوا : ليس منا إلّا بذل الوسع ، وليس لنا إلّا إظهار النّصح ، وما علينا إلا متابعة الأمر - وتمشية الأمر وإمضاؤه . . إليك . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 34 ] قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 34 ) ويقال إنّ : « وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ » من قولها . ويقال : تغيير الملوك « 2 » إذا دخلوا قرية - عن صفتها - معلوم ، ثم ينظر . . فإن كان الداخل عادلا أزال سنّة الجور ، وأثبت سنّة العدل ، وإن كان الداخل جائرا أزال الحسن وأثبت الباطل . هذا معلوم ؛ فإنّ خراب البلاد بولاة السّوء ، حيث يستولى أسافل الناس وأسقاطهم على الأعزة منهم ، وكما قيل : يا دولة ليس فيها * من المعالي شظيه زولى فما أنت إلّا * على الكرام بليه وعمارة الدنيا بولاة الرّشد ، يكسرون رقاب الغاغة ، ويخلّصون الكرام من أسر السّفلة ، ( ويأخذ القوس باريها ) « 3 » ، وتطلع شمس العدل من برج شرفها . . كذلك المعرفة

--> ( 1 ) نعلم من سيرة القشيري أنه كانت بينه وبين أصحاب السلطة في موطنه خلافات في الرأي ، فهو هنا يغمز بما ينبغي أن يكون عليه صاحب السلطان من آداب ، سواء في اختيار أعوانه ، أو في قبول النصح والشورى . ( 2 ) كأنما القشيري ينفس عن نفسه مما قاساه في عهد السلطان طغرل ووزيره الكندري وكأنما يمجد ما ناله من الخير في عهد السلطان ألب أرسلان . ووزيره العظيم نظام الملك ( انظر مدخل هذا الكتاب : المجلد الأول ) ( 3 ) هكذا في م وهي في ص ( فتأخذ النفوس بأزمتها ) .