ابو القاسم عبد الكريم القشيري

37

لطائف الإشارات

والخصال المحمودة إذا باشرت قلب عبد أخرجت عنه الشهوات والمنى ، وسفاسف الأخلاق من الحقد والحسد والشحّ وصغر الهمة . . وغير ذلك من الأوصاف الذميمة وتثبت بدلها من الأحوال العليّة والأوصاف المرضيّة ما به نظام العبد وتمام سعادته . ومتى استولت على قلب غاغة النّفس والخصال المذمومة أزالت عنه عمارته ، وأبطلت نضارته ، فتخرب أوطان الحقائق ، وتتداعى مساكن الأوصاف الحميدة للأفول ، وعند ذلك ، يعظم البلاء وتتراكم المحن . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 35 ] وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ( 35 ) جاء في القصة أنها بعثت إلى سليمان بهدايا ، ومن جملتها لبنة مصنوعة من الفضة وأخرى من الذهب . وأن اللّه أخبر سليمان بذلك ، وأوحى إليه في معناه . وأمر سليمان الشياطين حتى بنوا بساحة منزله ميدانا ، وأمرهم أن يفرشوا الميدان بهيئة اللّبن المصنوع من الذهب والفضة من أوله إلى آخره . وأمر بأن توقف الدوابّ على ذلك وألا تنظّف آثارها من روث وغيره ، وأن يترك موضعان للبنتين خاليين في ممرّ الدخول . وأقبل رسلها ، وكانت معهم اللبنتان ملفوفتين ، فلمّا رأوا الأمر ، ووقعت أبصارهم على طريقهم ، صغر في أعينهم ما كان معهم ، وخجلوا من تقديم ذلك إلى سليمان ووقعوا في الفكرة . . كيف يتخلصون مما معهم ؟ . فلمّا رأوا موضع اللّبنتين فارغا ظنّوا أن ذلك سرق من بينها ، فقالوا لو أظهرنا هذا نسبنا إلى أنّا سرقناهما من هذا الموضع ، فطرحاهما في الموضع الخالي ، ودخلا على سليمان : قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 36 ] فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ( 36 ) أتهدوننى مالا ؟ ! وهل مثلي يستمال بمثل هذه الأفعال ؟ إنكم وأمثالكم تعاملون بمثل ما عوملتم « 1 » ! إرجع إليهم : -

--> ( 1 ) أي أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ، فلذلك تفرحون بما تزدادون وبما يهدى إليكم ؛ لأن ذلك مبلغ همتكم - وحالي خلاف حالكم ، فأنا - بما آتاني اللّه - غنى عن حظوظ الدنيا .