ابو القاسم عبد الكريم القشيري

133

لطائف الإشارات

وانظر من الذي يسمع صوتك حتى تستفيق من خمار غفلتك ؛ « إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ » : في الإشارة هو الذي يتكلم في لسان المعرفة من غير إذن من الحقّ . وقالوا : إنه الصوفيّ يتكلم قبل أوانه . ويقال إنما ينهق الحمار عند رؤية الشيطان فلذلك كان صوته أنكر الأصوات . قوله جل ذكره : [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 20 ] أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 20 ) أثبت في كل شئ منها نفعا لكم ، فالسماء لتكون لكم سقفا ، والأرض لتكون لكم فراشا ، والشمس لتكون لكم سراجا ، والقمر لتعلموا به عدد السنين والحساب ، والنجوم لتهتدوا بها . « وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً » : الإسباغ ما يفضل عن قدرة الحاجة ولا تحتاج معه إلى الزيادة . قوله : « نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً » : تكلموا فيه فأكثروا . فالظاهرة وجود النعمة ، والباطنة شهود المنعم . والظاهرة الدنيوية ، والباطنة الدينية . والظاهرة حسن الخلق ، والباطنة حسن الخلق . الظاهرة نفس بلا زلّة ، والباطنة قلب بلا غفلة . الظاهرة العطاء ، والباطنة الرضاء . الظاهرة في الأموال ونمائها ، والباطنة في الأحوال وصفائها . الظاهرة النعمة ، والباطنة العصمة . الظاهرة توفيق الطاعات ، والباطنة قبولها . الظاهرة تسوية الخلق ، والباطنة تصفية الخلق . الظاهرة صحبة الصالحين ، والباطنة حفظ حرمتهم . الظاهرة الزهد في الدنيا ، والباطنة الاكتفاء بالمولى من الدنيا والعقبى « 1 » . الظاهرة الزهد ، والباطنة الوجد . الظاهرة توفيق

--> ( 1 ) هذه أعلى درجات الزهد ، وهي تهمنا ونحن نؤرخ للتطور التأريخي الذي حدث عندما تطور الزهد إلى تصوف ( أنظر كتابنا نشأة التصوف الإسلامي ( ط دار المعارف ) .