ابو القاسم عبد الكريم القشيري
124
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 50 ] فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 50 ) يحيى الأرض بأزهارها وأنوارها عند مجىء الأمطار ليخرج زرعها وثمارها ، ويحيى النفوس بعد نفرتها ، ويوفقها للخيرات بعد فترتها ، فتعمر أوطان الرّفاق بصادق إقدامهم ، وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم ، ويحيى القلوب بعد غفلتها بأنوار المحاضرات ، فتعود إلى استدامة الذكر بحسن المراعاة ، ويهتدى بأنوار أهلها أهل العسر من أصحاب الإرادات ، ويحيى الأرواح بعد حجبتها - بأنوار المشاهدات ، فتطلع شموسها عن برج السعادة ، ويتصل بمشامّ أسرار الكافة نسيم ما يفيض عليهم من الزيادات ، فلا يبقى صاحب نفس إلا حظى منه بنصيب ، ويحيى الأسرار - وقد تكون لها وقفة في بعض الحالات - فتنتفى بالكلية آثار الغيرية ، ولا يبقى في الدار ديّار ولا من سكانها آثار ؛ فسطوات الحقائق لا تثبت لها ذرّة من صفات الخلائق ، هنالك الولاية للّه . . سقط الماء والقطرة ، وطاحت الرسوم والجملة « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 51 ] وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ( 51 ) إذا انسدّت البصيرة عن الإدراك دام العمى على عموم الأوقات . . كذلك من حقّت عليهم الشقاوة جرّته إلى نفسها - وإن تبوّأ الجنة منزلا . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 52 إلى 53 ] فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 52 ) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 53 ) من فقد الحياة الأصلية لم يعش بالرّقى والتمائم ، وإذا كان في السريرة طرش عن سماع الحقيقة فسمع الظاهر لا يفيده آكد الحجّة . وكما لا يسمع « 2 » الصّمّ الدعاء فكذلك لا يمكنه أن يهدى العمى عن ضلالتهم .
--> ( 1 ) أي انتفت آثار البشرية ، وصار العبد مستهلكا بالكلية . ( 2 ) الفاعل ضمير مستتر تقديره « هو » يعود على الرسول صلوات اللّه عليه ، فإن الخطاب في الآية الكريمة موجه إليه .