ابو القاسم عبد الكريم القشيري

125

لطائف الإشارات

قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 54 ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( 54 ) أظهرهم على ضعف الصغر والطفولية « 1 » ثم بعده قوة الشباب ثم ضعف الشيب ثم : آخر الأمر ما ترى * القبر واللحد والثرى كذلك في ابتداء أمرهم يظهرهم على وصف ضعف البداية في نعت التردد والحيرة في الطلب ، ثم بعد قوة الوصل في ضعف التوحيد . ويقال أولا ضعف العقل لأنه بشرط البرهان وتأمله ، ثم قوة البيان في حال العرفان ؛ لأنه بسطوة الوجود ثم بعده ضعف الخمود ؛ لأن الخمود يتلو الوجود ولا يبقى معه أثر . ويقال « خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ » : أي حال ضعف من حيث الحاجة ثم بعده قوة الوجود ثم بعده ضعف المسكنة ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « أحيني مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى في زمرة المساكين » « 2 » . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 55 إلى 60 ] وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ( 55 ) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 56 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 57 ) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ ( 58 ) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 59 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ( 60 ) إنما كان ذلك لأحد أمرين : إمّا لأنهم كانوا أمواتا . . والميت لا إحساس له ، أو لأنهم عدّوا ما لقوا من عذاب القبر بالإضافة إلى ما يرون ذلك اليوم يسيرا . وإن أهل التحقيق يخبرونهم عن طول لبثهم تحت الأرض . وإن ذلك الذي يقولونه من جملة ما كانوا يظهرون من جحدهم على موجب جهلهم ، ثم لا يسمع عذرهم ، ولا يدفع ضرّهم .

--> ( 1 ) الطفولية الطفولة . ( 2 ) رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري والحاكم ، وقال صحيح الإسناد . ورواه الطبراني بسند رجال ثقات عن عبادة بن الصامت . وادعى ابن الجوزي وابن تيمية أنه موضوع ، وأبطل ذلك الحافظ بن حجر .