ابو القاسم عبد الكريم القشيري

118

لطائف الإشارات

إذا أظلتهم المحنة ونالتهم الفتنة ؛ ومسّتهم البليّة رجعوا إلى اللّه بأجمعهم مستعينين ، وبلطفه مستجيرين ، وعن محنتهم مستكشفين « 1 » . فإذا جاد عليهم بكشف ما نالهم ، ونظر إليهم باللطف فيما أصابهم : إذا فريق منهم - لا كلّهم - بل فريق منهم بربهم يشركون ؛ يعودون إلى عاداتهم المذمومة في الكفران ، ويقابلون إحسانه بالنسيان ، هؤلاء ليس لهم عهد ولا وفاء ، ولا في مودتهم صفاء . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 34 ] لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 34 ) أي عن قريب سيحدث بهم مثلما أصابهم ، ثم إنهم يعودون إلى التضرع ، ويأخذون فيما كانوا عليه بدءا من التخشع ، فإذا أشكاهم وعافاهم رجعوا إلى رأس خطاياهم . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 35 ] أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ( 35 ) بين أنهم بنوا على غير أصل طريقهم ، واتبعوا فيما ابتدعوه أهواءهم ، وعلى غير شرع من اللّه أو حجة أو بيان أسّسوا مذاهبهم . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 36 ] وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ ( 36 ) تستميلهم طوارق أحوالهم ؛ فإن كانت نعمة فإلى فرح ، وإن كانت شدة فإلى قنوط وترح . . وليس وصف الأكابر كذلك ؛ قال تعالى : « لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » « 2 » .

--> ( 1 ) أي راجين كشف الغمة عنهم . ( 2 ) آية 23 سورة الحديد .