ابو القاسم عبد الكريم القشيري
119
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 37 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 37 ) الإشارة فيها إلى أن العبد لا يعلّق قلبه إلا باللّه ؛ لأنّ ما يسوءهم ليس زواله إلا باللّه ، وما يسرّهم ليس وجوده إلا من اللّه ، فالبسط الذي يسرّهم ويؤنسهم منه وجوده ، والقبض الذي يسوءهم ويوحشهم منه حصوله ، فالواجب لزوم عقوة « 1 » الأسرار ، وقطع الأفكار عن الأغيار . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 38 ] فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 38 ) القرابة على قسمين : قرابة النسب وقرابة الدّين ، وقرابة الدين أمسّ ، وبالمواساة أحقّ وإذا كان الرجل مشتغلا بالعبادة ، غير متفرّغ لطلب المعيشة فالذين لهم إيمان بحاله ، وإشراف على وقته يجب عليهم القيام بشأنه بقدر ما يمكنهم ، مما يكون له عون على الطاعة وفراغ القلب من كل علة ؛ فاشتغال الرجل بمراعاة القلب يجعل حقّه آكد ، وتفقّده أوجب . « ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ » : المريد هو الذي يؤثر حقّ اللّه على حظّ نفسه ؛ فإيثار المريد وجه اللّه أتمّ من مراعاته حال نفسه ، فهمّته في الإحسان إلى ذوى القربى والمساكين تتقدم على نظره لنفسه وعياله وما يهمه من خاصته . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 39 ] وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( 39 ) إيتاء الزكاة بأن تريد بها وجه اللّه ، وألا تستخدم الفقير لما تبرّه به من رافقة « 2 » ،
--> ( 1 ) العقوة الموضع المتسع أمام الدار . ( 2 ) الرافقة الرفق واللطف ، تقول : أولاه رافقة ( الوسيط ) .