ابو القاسم عبد الكريم القشيري
117
لطائف الإشارات
سبحانه فطر كلّ أحد على ما علم أنه يكون في السعادة أو الشقاوة ، ولا تبديل لحكمه ، ولا تحويل لما عليه فطره . فمن علم أنه يكون سعيدا أراد سعادته وأخبر عن سعادته ، وخلقه في حكمه سعيدا . ومن علم شقاوته أراد أن يكون شقيا وأخبر عن شقاوته وخلقه في حكمه شقيا . . ولا تبديل لحكمه ، هذا هو الدين المستقيم والحقّ الصحيح « 1 » قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 31 ] مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 31 ) أي راجعين إلى اللّه بالكلية من غير أن تبقى بقية ، متصفين بوفاقه ، منحرفين بكل وجه عن خلافه ، متقّين صغير الإثم وكبيره ، قليله وكثيره ، مؤثرين يسير وفاقه وعسيره ، مقيمين الصلاة بأركانها وسننها وآدابها جهرا ، متحققين بمراعاة فضائلها سرا . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 32 ] مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 32 ) أقاموا في دنياهم في خمار الغفلة ، وعناد الجهل والفترة ؛ فركنوا إلى ظنونهم ، واستوطنوا مركب أوهامهم ، وتموّلوا من كيس غيرهم ، وظنوا أنهم على شئ . فإذا انكشف ضباب وقتهم ، وانقشع سحاب جحدهم . . انقلب فرحهم ترحا ، واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة ، ولم يعرّجوا إلّا في أوطان الجهالة . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 33 ] وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 33 ) .
--> ( 1 ) نحسب أن القشيري قد حاول إيضاح مشكلة هامة من مشاكل علم الكلام ، فليست الجبرية عنده بناقضة لحرية الإنسان واختياره ، ما دامت الأمور كلها مرتبطة بعلم اللّه الذي سبق كل شئ ، وبفضل اللّه الذي فطر على ما علم .